بقلم مُنيرة البريدي
قبل مدة، استوقفتني عبارة كأنها قرعُ جرسٍ في ليلٍ ساكن:
ماذا لو أمسكتَ بالمصحف بنفس الشغف والمدة التي تمسك بها هاتفك؟
كيف ستكون حياتك؟
حينها، لم يكن السؤال عابرًا، بل كان مواجهة صادقة؛ مواجهة تفضحها أرقامٌ صامتة تختبئ في زاويةٍ خفية من هواتفنا، تُسمّى “تقرير الاستخدام”. تلك المرآة التي لا تُجامل، والتي تكشف لنا — دون مواربة — كيف تتسلل الساعات من أعمارنا ونحن نظنها لحظات.
ولست هنا بصدد إنكار أهمية الهاتف؛ فقد أصبح في عصرنا هذا عصب الحياة، وأداة لا غنى عنها في قضاء شؤوننا وتيسير أعمالنا. فالإشكال الحقيقي لا يكمن في وجوده، بل في ذلك الوقت الذي نمنحه له بسخاء، ثم نندم عليه بصمت، وذلك الزمن الذي يتسرّب من بين أيدينا دون أن نشعر، حتى إذا واجهتنا الأرقام، أدركنا حجم الأمر. وهنا يبرز السؤال من جديد، ولكن بصورة أعمق: ماذا لو استرددنا من قبضته بعض ما ضاع من أعمارنا؟
فإن الألم الذي تسببه كثرة استخدام الهاتف ليس وجعاً في العيون أو إجهاداً في الرقبة فحسب، بل هو “نزيفٌ معنوي” للعمر. وكأننا نغرق في عالم رقمي، غائبين بأرواحنا عن دفء العائلة
، وقد قيل في وصف ضياع الوقت:
إِنا لَنَفرحُ بالأَيامِ نَقطَعُها ..
وَكُلُّ يَومٍ مَضى يُدني مِنَ الأَجَلِ
.
هذا الوقت المدفون خلف زجاج الشاشات، هو في الحقيقة واحاتٍ مهجورة، كان الأجدر أن تُزرع بالتدبّر، أو تُروى بحديثٍ عذب مع الأهل والأبناء والأصدقاء، أو تُستثمر في خلوةٍ صادقة مع النفس، تعيد للروح توازنها.
جلستُ مع نفسي طويلًا؛ أعاتبها تارةً وأواسيها تارةً أخرى، حتى أدركتُ أن عليّ أن أضع خطةً لاسترداد ذاتي، فلا أبقى أسيرةً لهذه الشاشات، وأن أتجه نحو الواقع عبر خطواتٍ عملية:
- أن أستفتح يومي بصلةٍ بالسماء؛ فلا ألمس هاتفي حتى أنهل من وردي القرآني، ليغمر يومي بركةُ الطاعة، ويبدأ بذكر الله وشكره.
- أن أخصّص أوقاتًا وأماكن تُحظر فيها الشاشات؛ كطاولة الطعام التي تجمع شمل الأسرة، لتستعيد الأحاديث دفئها وصدقها.
- أن أجعل من التقرير الأسبوعي تحدّيًا واعيًا؛ أسعى فيه لتقليص الأرقام، لا مجرد مراقبتها أو الفرار منها.
- أن أقاوم نزعات التصفح العبثي؛ فأستبدل “النقرة” بصفحة كتاب، أو تسبيحةٍ تُثقل الميزان، أو تأمّلٍ ينعش القلب في ملكوت الله سبحانه.
- أن أضع حدودًا زمنية واضحة لكل برنامج؛ حتى لا يمتد الوقت دون وعي، ولا تضيع الساعات خفية.
- أن أُحيي عادة الكتابة الورقية؛ وأجعل الأقلام والدفاتر في متناول عينيّ، وكذلك الكتب، لتكون قريبة من يدي كلما احتجت ملاذًا أصدق.
- أعود إلى كثير من مهاراتي وهواياتي اليدوية بكل أدواتها وملحقاتها وتفاصيلها مثل صناعة الطعام وترتيب الأثاث وكسر جموده أو أن أعيد ترتيب فوضى الأشياء حولي وأقرأ وأكتب وأعود إلى مهارات مهجورة كالخط العربي الذي برعت فيه في زمن مضى
- أجعل الأولوية لواقعي فلا أتناول هاتفي إلا بعد إتمام جميع مايجب علي إتمامه .
في الختام، إنّ العمر ليس إلا دقائق وثوانٍ، وكل ساعةٍ نقضيها في تيه المحتوى الرقمي هي ورقةٌ تُنتزع من كتاب حياتنا ولن تعود.
فلنبدأ من الآن بصياغة أيامنا بوعينا، لا كما تمليه علينا الشاشات، لنعيش الحياة بحقيقتها لا بظلّها الرقمي، ولنجعل قلوبنا تتعلّق بما يبقى، لا بما يتلاشى خلف زجاجٍ بارد.



