بقلم أميرة
أولًا، لما أطلقت عليه “نقمة ونعمة”، ألستم جميعكم تُسحَرون بأفكاركم دائمًا؟ سواء كانت أفكارًا عن المستقبل أو الماضي، أو حتى هموم الحياة اليومية التي تشغل عقلك. لا يهم ماهيّة الأفكار، المهم هو كيفية السيطرة عليها كي لا تداهمك في كل وقت وحين.
لنعد لمحور الحديث: أهي نعمة أم نقمة؟
بالتأكيد تحمل الصفتين معًا. فالعقل الحي أمر جيد مقارنة بالعقل الخامد، الذي لا يتحرك. أفضل الإزعاج، رغم أنه يعطلني عن النوم، على الجمود. له سلبيات وإيجابيات، وهذا هو محور حديثي.
هل يزعجك صوت رأسك؟ إذا كانت الإجابة نعم، فذلك مؤشر مطمئن: أنت تدرك ما يحدث في حياتك، تخطط لأمرٍ ما، تفكر بمستقبلك أو بمشروع ما. هذا ينبض بالحياة، ولا يدل على موت. متعب؟ نعم، لكنه أفضل من الهدوء المبالغ فيه، لأنه يعمل لصالحك وليس ضدك.
لكن يصبح التفكير نقمة حين تركض الأصوات في رأسك بلا فائدة، صوت يعيدك للماضي ويتحسر على أيامٍ لن تعود، وآخر يصرخ لعدم انتهازك للفرص، بينما هناك عويل تستنجد به ذاكرتك لأخطاء لا تستطيع تغييرها. وها أنت محاصر تحت رحمة أفواه تُنغّص عليك عيشك، دون مقابل سوى إرهاق ذهني مُنهِك.
لطالما رافقني التفكير المفرط منذ المراهقة. كانت الأفكار تصول وتجول برأسي كدوّامة لا تهدأ. تجرّ معها سيلًا من المياه، سواء كانت صافية أو عكرة.
ليس هناك عملية تنقيح للعواصف الذهنية، وهذا يسبب لي أزمة حقيقية. لكنني قررت أن أجد لها حلًا، أو بالأحرى، أن أستخدمها لصالحي، بدلًا من أن تزعجني طوال اليوم وتُعكر صفوي وتمحو أي محاولة للاسترخاء.
ولأنني أكتب، أجد صعوبة في إخراج أي نص جيّد. تتساءلون لماذا؟
لأنني لا أستطيع تهدئة عقلي. يظل يعجّ بالعواصف، كالرياح العاتية التي لا تتوقف، ولا تتيح لي فرصة للرؤية الواضحة.
هذا هو حال عقلي: متجدد، متأصل، غارق في التفكير المفرط.
لقد يئست منه، وكنت أعتقد أنني لن أقدر على إيقافه، لكن هذا كان في الماضي. الآن عزمت على إصلاحه، بل وسأجعله صديقي الصدوق.
ما الحل؟
في هذه المقالة ، حرصت أن أطرح حلولًا من منظوري الخاص.
أنصتوا لكلماتي القادمة، فهي بيت القصيد:
أولًا وأهم خطوة لحل أي مشكلة تواجهك هي تحديد مصدرها.
أحضرت ورقة وقلم، وبدأت بكتابة أسباب انجرافي نحو إعصار التفكير.
تعدّدت المسببات، لكن النتيجة واحدة، وليس هناك مفر.
من المستحيل طمس أفكاري، ولن تكفّ عن الضجيج، لكن المهم هو: فيمَ تضج؟ هل هي أفكار جيدة؟ إيجابية؟
هل يمكنني استخلاص ما هو مفيد منها؟
وعلى مستوى الكتابة: هل هي انسيابية؟ سلسة؟ تتسم بالإبداع؟
أم أنها مجرد أفكار عابرة لا جدوى منها، تسبب لي الصداع النصفي؟
إذن، عزيزي القارئ، البداية هي عملية تنقيح وتصفية للأفكار المفرطة، لنرى ما الذي سنجنيه من ثمارها.
بعد الانتهاء، رأيت أن كلا الجانبين متساويان في الكفّة.
لا يطغى أحدهما على الآخر.
فما العمل؟ من سيكون المتحكّم في مسارات إدراكي؟
من سأدع له شأن التصرف. لقد اتخذت الخطوة الأساسية وحددت نطاق تفكيري.
إذن، ماذا بعد؟
لا حاجة للمزيد من التساؤلات.
الآن، حان وقت التحرك، واتخاذ خطوات جادّة، ذات طابع نابض، برؤية جديدة، من منظور مختلف، متغير، مستحدث.
رؤية تولد معها سريرة إبداعية استثنائية، يتوهج بها ذهني، بروح مشرقة، مشعة، بهيّة.
أفكار لا تؤلمني بعد الغوص فيها، لا تجعلني حبيسة لأيامي، لا تسرق مني لحظاتي الحالية، بل تبقيني في الحاضر.
وهذا ما أتوّق إليه وأرجوه: أن أعيش يومي، وأتأقلم مع واقعي، لا أبتعد عنه، ولا أغرق في غياهب وجداني المجهول.
أظل أنظر للساعة، للنافذة، لأتأكد… إنني ما زلت هنا.



