بقلم لين الشريف
إنَّ المتأملَ في شأن القلم حين يلامس البياض، يدرك أنَّ الكتابة رحلة روح تبحث عن مكمن الجمال. ولقد غدوتُ أرى في الكلمة أمانة ثقيلة، وأجد في نفسي شوقاً دائماً لبلوغ أسمى مراتب التمام، وهذا الشوق هو الذي يدفعني دوماً لتهذيب عباراتي؛ فأكتب النص وأتأمله، ثم أعود إليه بروح الناقد المحب، أسعى لصقله كما يُصقل الجوهر، ليكون جديراً بالبقاء.
غير أن هذا السعي الحثيث نحو الكمال، أضحى سلوكاً أفرط فيه بزيادة تُثقل الكاهل… فالحكمة تقتضي منا إدراك «المقدار المناسب» لكل فعل، بحيث نمنح الكلمات حقها من الرعاية والتهذيب، دون أن نغرق في بحر التردد الذي يحول بيننا وبين الإنجاز. إن إعادة ضبط هذا الميل نحو المثالية، تجعلنا نعيش بتوازن في ممارساتنا اليومية؛ حيث نمنح العمل فرصة الخروج للنور دون إفراط يقتله، أو صرامة في وضع القوانين النفسية تورثنا الضيق، وتعيق مسيرتنا نحو العطاء.
ولعل مما يبعث السكينة في نفس الكاتب، هو استحضار قول «بول فاليري»: «النص لا يكتمل أبداً، بل يتم التخلي عنه في لحظة ما». إن هذا القول يمثل الميزان الذي نحتاجه لإعادة ضبط سلوكنا؛ إذ يعلمنا أن بلوغ الغاية المطلقة في الإتقان ضرب من المحال، وأن الشجاعة الحقيقية تكمن في القدرة على التخلي عن النص، ومنحه حريته في الوقت المناسب. فبدلاً من الاستمرار في دائرة النقد، ونقد النقد… نكتفي ببذل الجهد الجميل، ثم نمضي قدماً نحو آفاق جديدة من العمل والإبداع.
وفي الختام، يبقى طلب الكمال سموّاً في الهمة، طالما أنه لا يتحول إلى عائق يمنعنا من التقدم، أو يورثنا الحسرة على ما لم يكتمل. إن الميزان الصحيح هو أن نكتب بصدق، وننقد برفق، ثم نطلق سراح مجهوداتنا لتبلغ مداها، مدركين أن الإبداع الحقيقي يكمن في التوازن بين جودة الصنعة وغزارة العطاء. فهل يمكن لنا أن نتصالح مع فكرة التخلي، ونجعل من «المقدار المناسب» طريقاً لراحة النفوس وانطلاق الأقلام؟



