كلمة أيقظت موهبة

كلمة ايقظت موهبة.jpg 1

بقلم مُنيرة البريدي

ثمة أشياء في ذواتنا تنمو بصمت، حتى نكاد لا نراها. نعتاد وجودها فينا، كما نعتاد ضوء النهار، فلا نسأل أنفسنا من أين جاء، ولا ندرك قيمته إلا حين يلفت أحدهم أنظارنا إليه.

في سنوات الدراسة، كنت واحدة من طالبات كثيرات عبَرَت الفصول والوجوه والأيام، ومضَت في خضم زحام ساحات المدرسة .. وسط همهمات البنات ونداءاتهن المتناثرة في الممرات، وصخبٍ لا يهدأ. طالما شعرتُ بقلّة أهميتي، وأن وجودي لا يشبه إلا الكرسي الذي أجلس عليه؛ حاضرًا في مكانه، لا يلتفت إليه أحد. لم يكن ذلك شعورًا دائمًا.. فقد كنت أفرح بإنجازاتي، وأُسرّ بتفوّقي ، وأجد في هواياتي ملاذًا أعود إليه حين تضيق بي المساحات من حولي.

أحببت الخط والرسم، وقضيت فيهما أوقات فراغي، مستمتعة بتحوّل المساحة البيضاء أمامي إلى شيء صنعته يدي. لكنني لم أكن أدرك حينئذٍ أن ما أراه عاديًا في نفسي قد يستحق أن يُرى بعين أخرى.

وفي يوم من الأيام، التفتت معلمة إلى كراستي. فوقع نظرها على تفاصيل الحرف وهدوء السطور. لا أذكر تفاصيل اللحظة كلها، لكنني أذكر أثر كلماتها؛ إذ أخذت تمدح خطي، وتثني على هدوئي، وترى في شخصيتي ما يستحق الإشادة، وبين حديثها قالت لي: أنتِ خطاطة !

بدت الكلمة قصيرة، لكنها اتسعت في داخلي حتى صارت سؤالًا. في البداية، تقبلت الفرح بهدوء ومضت الأيام بلا تغيير.. لكن شيئاً فشيئاً، بدأ السؤال يثقل روحي ويتحول إلى شعور بالمسؤولية: كيف أكون خطاطة وأنا لم أتعلم بعد أصول الخط كلها وقواعده؟ وكيف أحمل لقبًا كهذا وأنا أجهل كثيرا من أسرار هذا الفن المحبب إلي؟

للمرة الأولى، لم أعد أنظر إلى الخط بوصفه هواية أحبها، بل بحراً يستحق أن أغوص في أسراره. بدأت أقتني كتب الخط وأتعلم منها، وأدرب يدي على ما لم تكن تعرفه. أدركت أن الموهبة ليست شيئًا نفرح بوجوده فحسب، بل أمانة تحتاج إلى رعاية وصبر، وإلى ممارسة وتطوير مستمر.

لم تمنحني معلمتي الموهبة، لكنها جعلتني ألتفت إليها. كانت كلمتها أشبه بنافذة فُتحت على شيء كان يسكنني، فكم من مواهب تختبئ خلف الاعتياد، حتى تنجلي يومًا بنظرة صادقة، أو كلمة تأتي في وقتها.

ومع مرور الأيام، رُشحت ضمن الموهوبات على مستوى المملكة، ثم فزت في المنافسة، وحظيت بشرف التكريم من زوجة ولي العهد آنذاك. تبعت ذلك مشاركات ومقابلات منها صحفية، وفوز في مسابقات أخرى. عشت تلك التجارب بدهشة وامتنان، لكنها عمّقت في داخلي شعور المسؤولية. لم أعد أريد أن أكون جديرة بإعجاب الآخرين بقدر ما أردت أن أكون وفية لما رأته معلمتي فيّ؛ فالموهبة التي لا تُرعى قد تظل احتمالًا جميلًا لا يتجاوز بدايته.

ولم يتسع الطريق للخط وحده! بل كأن أصابع التعلم التي تلمست جمال الحرف، امتدت لتلامس عمق الروح. فالخط الذي علّمني كيف أنسق السطور، قادني إلى عالم الكتابة ومرافئ البوح.. حيث للكلمة ظلال، وللصمت أحيانًا ما تعجز الجمل عن قوله. صرت أكتب لأعبّر، وأتأمل لأفهم، وأبحث عن لغة أستطيع بها أن أقترب من نفسي، وأصغي إلى العالم بعمق أكبر.

وحين ألتفت اليوم إلى تلك الفتاة التي كانت تشعر أحيانًا بأنها تشبه الكرسي، أجدها أقرب إليّ مما ظننت. وأفهم أن اكتشاف الإنسان لذاته لا يحدث دائمًا دفعة واحدة؛ قد يبدأ بكلمة، ثم يتطلب بعد الاستعانة بالله سبحانه، جهدًا وبذلًا وصبرًا، حتى تتحول تلك الكلمة من احتمال إلى واقع نعيشه، ومن موهبة خجولة إلى طريق نمضي فيه.

لعل معلمتي لم تكن تعلم أن كلمتها ستتجاوز لحظتها، لترافقني كلما تعلمت نوعًا جديدًا من الخط، أو جاهدت لإتقان حروفه، أو جلست أمام صفحة بيضاء أبحث عن كلمة تليق بالمعنى، وجمالٍ يرضي ذائقتي، وإتقانٍ أطمح إليه. فما زلت أتعلم، وما زلت أرى في الخط مجالًا يتسع كلما ظننت أنني اقتربت من نهايته، وفي الكتابة نافذة أطل منها على نفسي والعالم. وحين أتذكر قولها، لا أشعر أنني كنت مطالبة يومها بأن أكون خطاطة مكتملة، بل أن أبدأ السير في طريقٍ لا تزال معالمه تتكشف لي مع كل محاولة وتقدم.

ما زلت أؤمن أن بعض الكلمات لا تصف ما نحن عليه، بل توقظ فينا ما يمكن أن نصير إليه. وستبقى كلمة معلمتي رفيقة طريقي.. تذكّرني أن الموهبة بداية، وأن أجمل ما فيها أن نواصل السعي نحو تمامها، مستعينين بالله، مستحضرين قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *