أريد أن أصبح معلمة

معلمة

بقلم حبيبة
تقف فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، ترتدي زي المدرسة رديء الخامة غير منسق الألوان ؛تنورة كحلية وقميص أصفر وحجاب أبيض. تمسك بقائمة الغائبات بكلتا يديها في منتصف الطُرقات .. وتبكي.
قد لا يفهم أحد ما الذي يدعو لهذا البكاء المحموم في قائمة الغائبات، تقترب منها معلمة بهدوء لتتأكد هل تبكي حقًا أم يهيئ لها فالمدرسة الثانوية ليست مكانًا يبكي به الأطفال رغبة في العودة للمنزل على كل حال، تقترب منها المعلمة أكثر وتتساءل: ابنتي هل أنتِ بخير؟

هنا تشهق بفزع وهي تفيق من شرودها على سائق غاضب بعدما أوقف سيارته باللحظة الأخيرة وهو يصرخ بها أن ” افتحي عينك يا أستاذة”
تهز رأسها له معتذرة وتكمل الطريق لكن الكلمة تدق في رأسها كالناقوس .. يا أستاذة .. يا أستاذة.
..

  • لا شيء يا أستاذة.
  • كيف لا شيء، لماذا تبكين وما هذه الورقة بيدك؟
    لا تجد الفتاة بُدًا من الانفجار في بكاء كثيف صامت غير متناسب مع المعطيات والأسباب وتقول من بين دموعها المنهمرة:
    ” المعلمة تريدني أن أسجل الغائبات، العدد غير صحيح، عددته أكثر من مرة، لا أعرف أين المشكلة”
  • تسجيل الغائبات مسؤولية المعلمة وليس أنتِ ،أي معلمة طلبت هذا؟
    ارتبكت الفتاة الصغيرة وقد أكلها الذنب، لا بُد أنها ورطت المعلمة في مشكلة، بالإضافة الى أنها لم تستطع تنفيذ المهمة وسوف تظلم باقي الزميلات الحاضرات إن هي اخطأت في إحصاء عدد الغائبات ،هذا الذنب هو ما دفعها للبكاء برغم أنها لم تفهم وقتها ما الذي يعنيه “الذنب”
    تتلطف الأستاذة الكبيرة بحالها وتخبرها مهونة:
  • لا عليك، هاتِ السجل وعودي لفصلك.
    فتعود الفتاة لبعض سكينتها، لا بد أن الكبار يعرفون كيف تُصلح الأخطاء وكيف تستدرك النقوص.

تعود للفصل لتبلغ معلمتها أنها أنهت المهمة كما طلبت منها المعلمة الكبيرة وجلست في مكانها تنالها بعض الطمأنينة.

كانت صديقتها تتبادل مع معلمة الصف -الصغيرة سنًا وعلمًا وحنكةً- بعض الكلمات عن خطتها للجامعة وكانت صديقتها تتحدث مع المعلمة بتبسط أصابها بالدهشة، فالمعلم كان لها دائمًا بطلًا مغوارًا يستحق الاحترام ويشعرها بالهيبة، وكانت تحاول كثيرًا أن تتودد للمعلمة صغيرة السن وتكسب استحسانها .. ولكن بلا جدوى.

كانت تعلم أنها تقحم نفسها إقحامًا في الحوار بينهما، لكنها تدخلت آملةً أن تحظى في نهاية الحديث بنظرات فخر أو رضا مبطن، قالت مشاركة صديقاتها في أحلام الشباب الوردية:
“أريد أن أصبح معلمة”
علقت عينيها على المعلمة محاولة استنباط وقع جملتها عليها فلم تجد إلا وجهاً أصم خال التعابير، حاولت أن تستدرك المعلمة للحديث معها في حديث ودي كما كانت مع صديقاتها من لحظات فأردفت متسائلة بحماس حقيقي:
“هل تظنين أنني يمكنني أن أكون معلمة جيدة؟”
كانت المعلمة تراوغ الإجابة لكن الفتاة الصغيرة أصرت عليها بذات الحماس وبابتسامة واسعة:
“هل يمكنني أن أكون معلمة جيدة؟”

نظرت لها المعلمة كما لو أنها تتمنى انتهاء هذه المحادثة سريعًا:
” بشخصيتك هذه، لا”
قالتها بلا مبالاة ودون أن تتغير تعابير وجهها.
لا تعرف الفتاة الصغيرة كيف ولا متى تبدل نهار المدرسة المشرق إلى ليل، وكيف دوى صوت الرعد القوي في بدايات سبتمبر، وكيف كاد يُعمي بصرها البرق الخاطف، وكيف سُحبت ابتسامتها المتحمسة في ثانية واحدة وألقت بها الكلمة في غياهب الجُب.

استكانت في كرسيها ولم ترد، مشاعر متسارعة متصارعة في جوفها، دموع قائمة الغياب الناقصة، صوت أمها يلومها على شيء ما، نظرة خائبة الأمل من أبيها لأن تحصيلها ليس جيدًا كأخيها، تتسارع اللقطات أمام عينيها بينما تجلس على كرسيها في الصف تقابلها المعلمة لكنها لا تراها وتتردد الكلمة في عقلها
” بشخصيتك هذه، لا”
” بشخصيتك هذه، لا”

كم كانت تتمنى أن تكون معلمة، أن تغير بكلماتها العالم، وأن تطبع الأمل في نفوس الصغار.

يدق جرس انتهاء الحصة الدراسية فتلملم المعلمة أغراضها وتغادر الصف دون أن تلاحظ أي تغير أحدثته كلماتها الثلاث على الفتاة الصغيرة، لا تحرك الفتاة ساكنًا و لا تتكلم، تميل عليها صديقتها منادية .. منادية.. لا ترد.
..
لكنها تفيق أخيرًا على صوت طفولي رقيق
ويد دافئة صغيرة جدًا تمسك يدها في حبور.

  • معلمة .. معلمة، اليوم وصلتُ قبلكِ، هل فزت؟
    قالتها فتاة صغيرة وهي تجري ناحيتها مسرعة ما إن حطت قدمها الباب الكبير.
    تضحك الفتاة الصغيرة محتضنة الفتاة الصغيرة “نعم يا عزيزتي، لقد فزتِ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *