بقلم: علياء
كانت هناك مدينة يُدعى أهلها أصحاب القرية، يعيشون في بيوت جميلة، لكن قلوبهم كانت بعيدة عن الخير. أرسل الله إليهم رسولين كريمين ليدعوهم إلى عبادة الله الواحد وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. لكن أهل القرية كذّبوهما ورفضوا الاستماع إليهما. ومن رحمة الله بهم، أرسل إليهم رسولًا ثالثًا ليؤيد الرسولين ويقوي موقفهما. وبدلًا من أن يشكر أهل القرية الله، غضبوا وقالوا للرسل: — نحن نتفاءل بشرٍّ بسببكم! إن لم تتوقفوا عن كلامكم هذا، سنرجمكم بالحجارة ونعذبكم عذابًا شديدًا.
رجلٌ يأتي من بعيد وفي أقصى المدينة، كان يعيش رجلٌ صالحٌ وطيبٌ اسمه حبيب النجار. كان حبيبٌ رجلًا مؤمنًا، يملك قلبًا نقيًا يحب الخير والرحمة لكل الناس. عندما سمع أن أهل القرية يهددون الرسل الصالحين، لم يجلس في بيته خائفًا، ولم يقل: ما لي ولهذا الأمر؟ بل شعر بمسؤولية كبيرة وقرر أن يتحرك فورًا لإنقاذ الموقف. انطلق حبيبٌ يركض مسرعًا في شوارع المدينة، وعلامات الجد والخوف على قومه تملأ وجهه. شق الصفوف حتى وصل إلى تجمع أهل القرية الذين كانوا يلتفون حول الرسل بشرّ.
نصيحة من قلب محب وقف حبيبٌ وسط الجموع، وبصوت قوي تملؤه الشجاعة والحكمة، نادى قومه قائلًا: — يا قومي! اتبعوا هؤلاء الرسل الكرام. اتبعوا من لا يطلبون منكم أموالًا أو أجرًا على نصيحتهم، وهم يسيرون في طريق الحق والهداية. ثم بدأ يكلمهم ببساطة وعقلانية: — لماذا لا أعبد الله الذي خلقني وصنعني وإليه نرجع جميعًا؟ هل يعقل أن أترك الخالق العظيم وأعبد أصنامًا لا تملك لي نفعًا ولا تقدر أن تنقذني إذا أراد الله بي ضرًّا؟ إن فعلت ذلك، سأكون في ضلال وخسران واضح. وليدعم الرسل أمام الجميع، التفت إليهم وقال بصوت سمعه الكل: — إني آمنت بربكم فاسمعون.
نهاية شجاعة وبداية أجمل بدلًا من أن يستمع أهل القرية لكلمات حبيب الحكيمة والمحبة، اشتعلت قلوبهم بالحقد والغضب، وهجموا عليه بقسوة وغدر حتى فاضت روحه إلى بارئها، ومات شهيدًا وهو يدافع عن الحق. لكن القصة لم تنتهِ هنا؛ فالخير دائمًا ينتصر عند الله. في تلك اللحظة، فُتحت أبواب السماء لحبيب النجار، واستقبلته الملائكة بالفرح والترحاب، وقيل له: — ادخل الجنة! وعندما رأى حبيبٌ النعيم العظيم، والقصور والأنهار التي أعدها الله له جزاءً لشجاعته وإيمانه، لم يحقد على قومه الذين آذوه، بل قال أمنيةً مليئة بالرحمة: — يا ليت قومي يعلمون! يا ليتهم يعرفون كيف غفر لي ربي وجعلني من المكرمين في الجنة، لعلهم كانوا آمنوا ونجوا مثلما نجوت.
وبعد أن ظلم أهل القرية حبيبًا والرسل، لم يمهلهم الله طويلًا، وجاءهم العقاب سريعًا وحاسمًا؛ إذ أرسل الله عليهم جبريل عليه السلام، فصاح بهم صيحةً واحدةً قويةً ومخيفة من السماء. وبمجرد سماع هذه الصيحة، توقفت قلوبهم فورًا، وماتوا جميعًا في اللحظة نفسها، فأصبحوا هادئين بلا حراك، كالنار التي انطفأت وتحولت إلى رماد. وبهذا انتهت قصة مؤمن آل يس. لقد خلّد الله ذكر هذا الرجل الصالح في القرآن الكريم في سورة يس، ليتعلم منه الأطفال والكبار عبر كل الأزمان، معنى الشجاعة، وحب الخير للآخرين، والدفاع عن الحق حتى في أصعب الأوقات.



