بقلم: بنده محمد
في قرية هادئة تحفّها الأشجار وتغمرها السكينة، كان يعيش رجلٌ صالح يُدعى لقمان. لم يكن لقمان ملكاً يجلس على عرشٍ ذهبي، ولا تاجراً يملك أموالاً لا تُعدّ، لكنه كان يمتلك شيئاً أغلى من كنوز الأرض؛ كان يمتلك الحكمة التي أودعها الله في قلبه، فكان كلامه كالدواء يُبرئ القلوب، ونقاؤه ينشر الخير أينما حلّ. وفي صباح يومٍ جميل أشرقت فيه الشمس بدفئها المعتاد وتنفس فيه النسيم العليل، نادى لقمان ابنه الصغير: — يا بنيّ، ارتدِ حذاءك وتعال معي، فلدينا اليوم رحلة خاصة جداً!
تألقت عينا الصغير بالفرح، وقفز وهو يسأل بلهفة: — إلى أين نحن ذاهبان يا أبي؟ ابتسم لقمان بوقار وقال: — سنذهب بين الهضاب الخضراء، لأسلّمك أعظم كنزٍ يملكه إنسان؛ خريطة ونوراً لا يضلّ صاحبهما أبداً! سار الاثنان جنباً إلى جنب، والصغير يركض تارةً يلاحق الفراشات، وتارةً يعود ليمسك بيد أبيه، ويتساءل في سرّه عن طبيعة هذا الكنز: هل هو صندوق مليء بالذهب؟ أم جوهرة تتلألأ في الظلام؟
تحت ظلال الشجرة الكبيرة عندما وصل الاثنان إلى تلةٍ مرتفعة تُطلّ على الوادي، جلس لقمان تحت ظلال شجرة زيتون معمرة، واستراح ابنه بجانبه مبتسمًا. التفت لقمان إلى طفله ونظر في عينيه الصافيتين بابتسامة دافئة، ثم أخذ يمسح على رأسه بحنان وقال: — يا بنيّ.. اصغِ إليّ بقلبك قبل أذنيك، فهذه وصيتي لك وبوصلتك في هذه الحياة. أمال الصغير رأسه منصتاً لحديث أبيه، فبدأ لقمان يروي له أسرار الكنز واحداً تلو الآخر.
السر الأول: نور القلب (الإيمان) — اعلم يا بنيّ أن أول طريق القوة هو أن تعبد الله وحده ولا تشرك به أحداً. الإيمان هو السراج الذي ينير قلبك من الداخل، فيجعلك شجاعاً لا تخاف الظلام ولا تخشى الصعاب. السر الثاني: درع الأمان (بر الوالدين) — ثم ينبغي أن تتذكر دائماً أصلك ووالدَيْك.. إن أمك وأباك هما سر نجاحك في الدنيا. لقد حملتك أمك في بطنها وهناً على وهن، وسهرت عليك الليالي الطويلة وهي تدعو لك لتغفو بسلام.. فكن لهما البسمة التي تمسح تعبهما، والعكاز الذي يستندان عليه.
السر الثالث: مراقبة الله (حبة الخردل) وهنا، انحنى لقمان وأمسك من الأرض بذرة صلبة متناهية الصغر، ورفعها أمام عيني ابنه وقال: — انظر إلى هذه الحبة الصغيرة جداً.. لو أن هذه الحبة المخبأة أُلقيت في عمق صخرة صماء داخل أقصى جبل في الكون، أو اختفت في طبقات الأرض، فإن الله يعلم مكانها وسيحضرها يوم الحساب! فلا تستهن بطفيف أعمالك يا بنيّ، كل ابتسامة وكل عمل طيب حتى لو كان صغيراً جداً، لا يضيع عند الله أبداً.
السر الرابع: طاقة البطولة (الصلاة والصبر) واصل لقمان بصوت هادئ: — حافظ على صلاتك، فهي الخيط الذهبي الذي يربطك بالخالق كل يوم. وكن بطلاً في قومك، وأمر بالخير والصلاح، وانهَ عن الشر والظلم بأسلوبك اللطيف. وإذا واجهتك حفرة أو عثرة في طريقك.. فاصبر، فالصبر هو القوة الحقيقية التي تصنع العظماء. السر الخامس: مفتاح القلوب (التواضع) ثم أشار لقمان إلى الأفق وقال: — ولا تمشِ في الأرض متبختراً متكبراً كأنك تملك الدنيا، ولا تُعرض بوجهك عن الناس غروراً وازدراءً لهم. إن المغرور ينفر منه الجميع، أما الإنسان المتواضع فهو الذي يدخل أرواح الناس وقلوبهم دون استئذان.
السر السادس: نبرة الهدوء والجمال — وأخيراً يا بنيّ.. اقصد في مشيك باعتدال وثقة، واجعل نبرة صوتك هادئة ولطيفة أثناء الحديث. فالصوت العالي الصاخب لا يجعل صاحبه على حق، بل إنه يزعج الآذان.. وأبشع الأصوات يا بنيّ وأقلها جمالاً هو صوت الحمير! أغلى من جبال الذهب ساد الصمت للحظات، وكان نسيم الجبل يداعب أوراق الشجر هادئاً..
نظر الصغير إلى أبيه، وقد امتصّ قلبه الصغير كل كلمة قالها والده. لم يستطع كبح مشاعره، فقفز متحمساً ورمى بنفسه في أحضان لقمان، وضمّه بقوة وهو يهمس في أذنه بدموع الفرح: — لقد فهمت الآن يا أبي.. هذا الكنز الذي أعطيتني إياه اليوم، هو أغلى وأجمل من كل جبال الذهب في العالم! ابتسم لقمان وضمه إلى صدره، وسارا معاً عائديْن إلى البيت تحت ظلال الغروب الدافئة، والطفل يحمل في قلبه بوصلة لن تضلّ أبداً.



