بقلم: ريان المدني
خرج نبيُّ الله موسى عليه السلام من مصر هاربًا، وحيدًا، خائفًا من بطش قومه،كان يلتفت من حينٍ إلى آخر يترقب أن يراه أحدٌ فيشي به.لم يحمل معه زادًا ولا قطرة ماءٍ تعينه على وعثاء الطريق، لكنه حمل في قلبه زادًا لا ينفد: التوكل على الله.﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
ظلَّ يسير في الصحراء أيامًا وليالي حتى بلغ أرضًا تُسمى”مدين” كانت أرضًا غريبة لا يعرف فيها أحدًا، وقد أنهك الجوع جسده، وأضناه العطش، حتى لم يعد يقوى على متابعة السير فلم يجد غير ظل شجرةٍ يأوي إليه ليستريح قليلًا ويستجمع ما بقي له من قوة.وما إن جلس تحتها حتى وقعت عيناه على بئرٍ قد ازدحم حولها الرعاة، يسقون أغنامهم غير أن فتاتين كانتا تقفان بعيدًا تنتظران في صبرٍ ولا تقتربان من البئر.
أثار ذلك فضول موسى عليه السلام فتقدم إليهما وسألهما برفق:”ما بالكما لا تسقيان؟”قالتا:”لا نسقي حتى يُصدر الرعاءُ وأبونا شيخٌ كبير.”تعجب موسى عليه السلام وعلم أن الفتاتين خرجتا مضطرتين؛ لأن والدهما لم يعد يقوى على رعاية الغنم فتحركت شهامته وتقدم ليسقي لهما، ثم عاد إلى ظل الشجرة ولم ينتظر منهما شكرًا ولا جزاءً.
كان يعلم أن المعروف لا يضيع عند الله فرفع يديه إلى السماء، يناجي ربه بقلبٍ موقن:﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.عادت الفتاتان إلى أبيهما على غير عادتهما فقد انتهتا من سقي الغنم في وقتٍ لم تألفاه من قبل.نظر إليهما الشيخ متعجبًا، وقال:-ما الذي أعادكما مبكرًا؟فأخبرتاه بخبر الرجل الغريب وكيف رأى حاجتهما إلى المساعدة، فسقى لهما أغنامهما، ثم انصرف دون أن ينتظر كلمة شكرٍ أو جزاء. قال الشيخ لإحدى ابنتيه:-اذهبي إليه وادعيهِ إلى بيتنافمضت حتى بلغت موسى عليه السلام، وقالت كما أخبرنا القرآن الكريم:﴿إِنَّ أَبي يَدعوكَ لِيَجزِيَكَ أَجرَ ما سَقَيتَ لَنا﴾
نهض موسى عليه السلام وهو يعلمُ أنَّه لم يصنع معروفه طمعًا في مكافأة، وإنما ابتغاء مرضاة الله، لكنه شعر أن الإله الرحيم الذي لم يتركه وحيدًا في الصحراء لن يتركه الآن أيضًا، وأنَّ وراء هذه الدعوة خيرًا لا يعلمه إلا هو.وسار مع الفتاة، وقبل أن تنطلق أمامه لتدله على الطريق، بادرها بنبل وعفة، خشية أن تحرك الريح ثيابها وهي تسير أمامه، فقال لها:”امشي خلفي وأرشِديني إلى الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابكِ فتصِف جسدكِ، فإذا أخطأتُ الطريق فأشيري إليَّ من ورائي”
يا لروعة النفوس حين تُزيَّن بالحياء ويا لجمال العفةِ حين تكون خلقًا لا يتغير في الخلوة ولا في العلن!ولما دخل على الشيخ قصَّ عليه قصته منذ خروجه من مصر وكيف ساقه الله حتى بلغ مدين.استمع الشيخ إليه في هدوءٍ ثم قال بكل كرمٍ وهيبة: ﴿لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. رُبما عزم موسى على الرحيل لكن ما كان لرجلٍ مِثله أن يفوت هذه الأسرة التي تحتاج أمينًا تأتمنه على أغنامها.
فبادرت إحداهما تنصح أباها به، وقد رأت من موسى ما لم تره في كثيرٍ من الرجال:﴿قالَت إِحداهُما يا أَبَتِ استَأجِرهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ استَأجَرتَ القَوِيُّ الأَمينُ﴾ لقد فطِنت الفتاة لجوهر هذا الغريب حين رأته يسقي لهما ويزيح الصخرة وحده، وحين سارَ أمامها وغضَّ بصره وأبى أن تمشي أمامه حياءً وعِفة.أُعجِبَ الشيخ الصالح بموسى عليه السلام ورأى فيه رجلًا صالحًا يجمع بين القوة والأمانة، فعرض عليه أن يعمل معه في رعاية الغنم، وأن يزوجه إحدى ابنتيه، على أن يخدمه ثماني سنوات، فإن أتم عشرًا فهو تفضلٌ منه وإحسان، فوافق موسى عليه السلام راضيًا، وتم الاتفاق بينهما.
وما هي إلا أيامٌ حتى تبدلت حال الرجل الذي خرج من مصر خائفًا، لا يملك إلا ثيابه، فأصبح آمنًا بعد خوف ومستقرًا بعد غربة، وأكرمه الله ببيتٍ يأويه وعملٍ كريم، وزوجةٍ صالحة.وهكذا يُعلِّمنا الله أن الطريق قد يطول وأن الشدة قد تشتد لكن من صدق توكله على ربه وأحسن إلى الناس وصبر على البلاء، وجد من لطف الله ما يفوق كل ما كان يرجوه.فما ضاع موسى عليه السلام في الصحراء، وما كان الله ليترك عبدًا أحسن الظن به، وتعلق قلبه به وحده.



