بقلم: حفصة
يحكي لنا القرآن الكريم عن قصة حدثت في زمن بعيد في مصر، بطلتها فتاة صغيرة اسمها مريم.كانت مريم مطيعة لأمها، تقوم بالواجبات الموكلة إليها على أحسن وجه، ولا تؤجلها ليومٍ آخر، ولا تتكاسل عن القيام بها.ذات يوم، ولدت أم مريم صبيًا سمّته موسى، فأحبته مريم كثيرًا، واعتنت به أيما اعتناء. وبين الحب والعناية مرت الأيام الجميلة التي جمعت مريم بأخيها موسى الصغير، تلاعبه وتلاطفه وتحنو عليه، إلى أن جاء اليوم الذي رأى فيه (فرعون) -حاكم مصر الظالم- في حُلمه صبيًا صغيرًا يكون زوال حُكمِه ومُلكِه على يديه؛ فقرر قتل جميع الصبيان الصغار، وأرسل جنوده ليفتشوا عنهم داخل البيوت.
خافت مريم على أخيها موسى كثيرًا، وظلت تراقب تحركات الجنود في المدينة وتخبر أمها بذلك؛ لتفعل شيئًا لحماية أخيها موسى. وهنا نتعلم من مريم حب إخواننا وأخواتنا الصغار، ورعايتهم والعناية بهم، والخوف عليهم وحمايتهم.ألهم الله تعالى أم مريم بصنع تابوتٍ أو صندوقٍ صغير؛ لتضع فيه ابنها موسى وتلقيه في النهر، فيحميه الله بذلك من الخطر عند مجيء الجنود إلى بيتهم. وقد وعدها الله تعالى بأن يحفظه ويُعيده إليها، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7].
سارعت أم مريم بصنع الصندوق كما أمرها الله تعالى، وعندما اقترب جنود فرعون من بيتهم، وضعت الأم صغيرها موسى في الصندوق وألقَتْهُ في النهر، وأمرت ابنتها مريم بمراقبة سير الصندوق في النهر وتتبُّع أثر أخيها. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: 11].وهنا يأتي دور مريم الشجاعة الذكية التي راقبت الصندوق دون أن يشعر بها أحد، حتى وصل الصندوق إلى قصر فرعون، ورأته امرأة فرعون الطيبة التي طلبت من زوجها ألا يقتل موسى وأن يهبه لها لتربيه وتعتني به.
أخذت امرأة فرعون موسى إلى القصر واستدعت له المرضعات ليرضعنه، إلا أن موسى رفض جميع المراضع. ولما سمعت مريم بأخبار رفض موسى للرضاعة، جاءت بذكاء وقالت: هل أدلكم على أهل بيتٍ يضمنون لكم رعايته وإرضاعه وهم له ناصحون؟ دون أن تذكر أنها أمها.وهنا نفهم كم كانت مريم الصغيرة فتاة مطيعة لوالدتها، ذكية لا تفشي أسرار أهلها وبيتها للناس؛ فهي لم تخبر أحدًا بأن أمها صنعت صندوقًا لحماية أخيها، ولا بأنها وضعته داخله وألقته في النهر. ولو أنها أخبرت أحدًا بذلك لما استطاعوا حماية موسى من القتل؛ ولهذا نتعلم منها الحفاظ على أسرار البيت وعدم إفشائها.
اقتنعت امرأة فرعون بحديث مريم، وأمرت بإحضار أم موسى إلى قصرها لترضعه، فرضع منها موسى ولم يرفضها. وهكذا استطاعت مريم المطيعة الذكية الشجاعة أن تحمي أخاها موسى، وأن تعيده إلى أمه سالمًا.وهناك درسٌ آخر نتعلمه من مريم: أنها استطاعت إقناع امرأة فرعون دون أن تظهر أي مشاعر أو حركة مشبوهة توحي بأنها أخت موسى، وهذا دليلٌ على أنها كانت على درجة عالية من ضبط النفس والمشاعر.



