لطالما ارتبط موسم الحج عندي بالعزلة المنزلية وضغوط العمل الدؤوب بحكم كوني من أهل مكة.
كنتُ دائمًا أرقب الحجاج وأتأمل مدينتي بعيونهم؛ فأنظر إليها بوصفها أرضًا قاحلةً لافحة، لكنها مفعمة بالرجاء ومجللة بالهيبة ومحفوفة بالدعوات.
أما عن الشوق إلى مكة فلا يخالجني شعور المغترب ولا لوعة البعيد المشتاق؛ إذ إنني أسكنها وتسكنني.
غير أني في كل موسم أجدد استشعاري لقدسية هذا البلد من خلال الانخراط في العمل التطوعي وخدمة ضيوف الرحمن، التماسًا لقبسٍ من مشاعرهم واقتباسًا من جذوة إيمانهم المتقدة.
أراقب الوجوه القادمة من أقاصي الأرض وأتأمل ذلك الامتلاء العجيب في أرواحهم؛ فأرى في أعينهم رهبة الوصول ودموع الرجاء وانكسار الدعاء عند أول نظرة للكعبة.
وحينها أشعر أن مكة لا تُرى بعين الساكن، بل بقلب الزائر الذي انتظر هذه اللحظة أعوامًا طويلة وربما عمرًا كاملًا.
أما الحج ذاته فإن شوقي فيه يتوق إلى عظيم أجره وثوابه لا إلى تفاصيله ومشقاته؛ إذ يشكل الموسم عبئًا مضنيًا وجهدًا جهيدًا وضغطًا هائلًا على أهل مكة، حتى على من لم ينخرطوا في التطوع أو الخدمة المباشرة.
فالمدينة في تلك الأيام لا تنام، والطرق تزدحم والأوقات تتبدل، وتصبح الحياة كلها معلقة بإيقاع الموسم.
ورغم ذلك يسكنني شعورٌ راسخ بأن كل زائر يفد إلى هذه البقاع يستحق الرعاية والأمان والحفاوة والصبر الجميل من أهل البلد.
ولعل مشاعري هذه تبدو غريبة أو مغايرة لما اعتاده الناس في أدبيات الشوق التقليدية؛ لكنها مشاعر مألوفة جدًا ونابضة بواقعية حيّة في وجدان كل من عاش في مكة وتنفس هواءها وعايش مواسمها، وحمل — ولو على نحوٍ يسير — أمانة الوفادة فيها.
فمكة بالنسبة لأهلها ليست مجرد مدينة يُشتاق إليها من البعد، بل مسؤولية يومية وهيبة دائمة، وعلاقة معقدة تجمع بين الألفة والتقديس، وبين الاعتياد والانبهار المتجدد.
الشوق بعيون أهل مكة للين الشريف



