بقلم أمل الغامدي
يعتبر السعي نحو الجودة والتميز قيمة إنسانية وحضارية رفيعة، فحب الإتقان هو المحرك الأساسي لكل إبداع بشري ناجح. ومع ذلك يقع الكثيرون في حيرة من أمرهم عند محاولة التمييز بين “الإتقان” الذي يدفع للإنجاز و”الكمال الزائد” الذي قد يتحول إلى قيد يعطل المسيرة. إن فهم الفروق الجوهرية بين هذين المفهومين هو الخطوة الأولى نحو العيش بسلام نفسي وتحقيق إنتاجية تتسم بالاستدامة والرضا.
و يظهر الإفراط في حب الإتقان حين يتحول الهدف من “تقديم عمل جيد” إلى “تجنب الخطأ مهما كان الثمن”
في هذه الحالة، يجد الشخص نفسه غارقاً في التفاصيل الصغيرة التي لا تؤثر على الجوهر، مما يؤدي إلى استنزاف الوقت والطاقة والشعور الدائم بالقلق والتوتر. هذا السلوك غالباً ما ينتهي بالتأجيل والمماطلة خوفاً من عدم الوصول للصورة الذهنية المثالية، ليصبح الكمال هنا عائقاً لا حافزاً.
فعلى الجانب الآخر، ابراز التقصير كنوع من الزهد السلبي في الجودة، حيث يتم الاكتفاء بالحد الأدنى من الجهد لإنهاء المهمة فقط. هذا النقصان يعكس غياب الشغف أو المبالغة في التبسيط، مما يفقد العمل قيمته وتأثيره. فالشخص المقصر يتجاهل معايير الجودة الأساسية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى نتائج هزيلة لا تلبي الطموح ولا تحقق الفائدة المرجوة من العمل.
لتحقيق التوازن المطلوب، يجب تبني مفهوم “التميز المرن” بدلاً من “الكمال المطلق”. ويتم ذلك من خلال وضع معايير واقعية ومنطقية للنجاح، تتقبل وجود نسبة من الخطأ البشري الطبيعي كجزء من عملية التعلم. إن الانضباط السلوكي في هذا السياق يعني القدرة على تحديد متى يكون العمل “جيداً بما يكفي” للمضي قدماً مع التركيز على جوهر الإنجاز لا على القشور التجميلية الزائدة.
إن الإتقان هو فن الممكن، بينما الكمال هو مطاردة المستحيل. والتوازن بينهما يتطلب وعياً مستمراً بالدوافع والأهداف فهل نسعى للإتقان حباً في العطاء والنمو، أم هرباً من النقد وخوفاً من الفشل؟ يبقى السؤال المفتوح الذي يجب أن يطرحه كل منا على نفسه دائماً: هل تخدمنا معاييرنا العالية لنتقدم، أم أنها أصبحت سجناً يمنعنا من الاستمتاع بجمال الرحلة.



