السعادة

تصميم بدون عنوان 8

لقد فكّرتُ مرارًا في كلمة السعادة من أين أبدأ؟ وكيف يمكنني أن أعبّر عنها؟ كم يصعب علينا أحيانًا التعبير عن الأشياء المعنوية كالمشاعر والأفكار، فهي أشياء ليست ملموسة، ليس لها وصف ولا صورة واضحة كأن تصف قطعة نقود تمكث أمامك. بل هي أمور تختلف من شخص لآخر، فقد يصف أحدهم السعادة بأنها رؤية ابتسامة حبيب، وقد يرى آخر أنها تكون بشراء شيءٍ يحبّه، بينما يصف ثالثٌ أنها راحة بعد يومٍ طويل.
فتعريفنا لكل شعور من المشاعر التي نشعر بها يتمايز ويختلف باختلاف أعمارنا، وبيئة نشأتنا، وحتى باختلاف أمكنتنا وأزماننا. بل إنه قد يختلف تعريفنا للسعادة بين لحظةٍ وأخرى. ودعونا نضرب مثالًا ظريفًا لهذا، وهو حالة نشعر بها جميعًا في أوقات أدائنا لعبادة الصيام تعبّدًا لله تعالى، حيث نشعر في أواخر لحظات الصيام قبيل أذان المغرب بأن السعادة هي أن نتناول طعامًا دسمًا شهيًا على الإفطار. حتى إذا انتهينا من تناوله، نشعر أن السعادة في أن ننال قسطًا من الراحة، ثم إذا انتهينا، نشعر أن السعادة في مجالسة الأهل والأصدقاء وتبادل أطراف الحديث. وهكذا فقد يختلف تعريف السعادة متأثرًا باختلاف رغباتنا في اليوم الواحد.
وعلى الرغم من اختلاف أوصاف وأشكال السعادة، إلا أننا إن أردنا أن نحصرها في لفظٍ واحد أو كلمةٍ واضحة، فستكون الرضا. فإن الرضا والسعادة كوجهان لعملة واحدة، لا يمكن أن تتحقق السعادة دون رضا، ولا أن يتحقق الرضا إلا ويقرنه سعادة. فالرضا هو شعور المرء بأنه مكتفٍ بما لديه ولا يريد المزيد. ولكن الرضا يتعارض مع طبيعة خلقة الإنسان، فقد خُلِق الإنسان لا يملأ فاه إلا التراب، كما ذُكر في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري:
“لو أن لابن آدم واديًا من ذهبٍ أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب”.
ولذلك لا يثبت المرء على السعادة، بل يكون شعورا لحظيا عندما يصل إلى ما يريد، وسرعان ما يمر هذا الشعور ويبدأ في التفكير من جديد في أن سعادته في شيء أكبر ممّا حصل عليه. ولذلك إن أردنا أن نبحث عن السعادة الحقّة فلن نجدها إلا في أنفسنا ودواخلنا؛ يقول الرافعي:
“إذا استقبلتَ العالم بالنفس الواسعة، رأيتَ حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغر وتضيق، وأدركتَ أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيق لا هي”.
فالنفس الواسعة ترى السعادة في أصغر الأشياء كطير يغرد، أو نسمة هواء تداعب الأشجار، أو رؤية زهرة جميلة، أو النظر إلى الطبيعة. بينما النفس الضيقة لا يمكن أن تشعر بالسعادة حتى مع توفر كل أسبابها، فالسعادة تنبع من داخل نفس المرء لا من الخارج.
ومن هنا فإنَّ أحد أهم الوسائل للوصول إلى الرضا ومنه إلى السعادة، هو استشعار نعم الله في حياتنا، فرؤيتنا لما نملك يشغلنا عن رؤية ما ينقصنا ويوصلنا إلى الرضا، فنبدأ باستخدام ما نملك في الوصول إلى سعادتنا، لا البحث عمّا ينقصنا حتى يجلب لنا سعادتنا. فهو أشبه بتهذيب النفس من الشوائب لاستخراج السعادة منها.
وبالتأكيد، إننا إن تأملنا فسنجد وسائل أخرى توصلنا إلى السعادة كالفقد؛ ففي بعض الأحيان قد ندرك أن سعادتنا كانت موجودة بالفعل ولكننا لم نرها، أو رأيناها ولم ندركها، وتكون لحظة إدراكنا لها هي لحظة فقد سببها. وهذا -على الرغم من قسوته- قد يقودنا إلى العودة ورؤية ما نملك، وإعطائه ما يستحق من اهتمام، ومحاولة الحفاظ عليه، والامتنان لوجوده، والسعادة لرؤيته.
وفي نهاية حديثنا نقول: إننا لا نحتاج إلى أن نبحث عن سعادتنا فهي -ومع اختلاف أسبابها وصورها- موجودة بداخلنا جميعا. فمن أراد أن يسعد، فلينظر إلى ما يملك، وسيجد فيه كل سعادته.

بقلم: داليا.

1 فكرة عن “السعادة”

اترك رداً على حاتم إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *