هل أشدّ على المرءِ أن يعيش بين الألوفِ من البشر ولا يجدُ من يفهمه

Untitled Design 1024x1024

إلى كل بائسٍ قد استقلت ويلاتُ الحياة به، وظنّ أن لا مفرّ من بؤسهِ إلّا أن ينهزم، حنانيكَ أبعثُ إليك هذه الحروف وبيَ ما بي علّها تُطبّبُ جرحًا أو تُقيل عثرة أو تضيئ عتمة أو تنتشلُ وهم، فينقشع الهمّ ويشرق القلب، علّها.
لا أجدُ بالكونِ متسعٌ لقلبي فكيفَ أواسيك، أنا الذي حطمهُ سيلُ الحياةِ ولم يبقَ منهُ سوى ماترى، قلبٌ مُخرقٌ وحالٌ رث، وجسمٌ شاحبٌ أودت بهِ الليالي في ظلمائها فلا تكادُ تتضحُ له رسوم، ملامحٌ تقاتلت عليها آفاتٌ وآهاتٌ فتجلّت بالأسى، وها أنذا أمدّكَ سلوى علّني أجدُ من خلالها نورًا يبددُ ظلامَ الأيّام ويسحقُ وحشتها.
أخَ الشّعور والغربة، في بداية حياتي كنتُ أسابقُ العمرَ بعنفوانِ عزيمتي وشدة بأسي وتوقد أيّامي وإقبالها، كُنتُ غرًا يافعًا منتشيًا لا أُكادُ أنثني أو ألين، كانَ الصّخر شبيهي بيد أنّه لا يتحرك، كنتُ أسْخر ممن يتثاقُل عن الحياةِ ويتلبّس رداء الوداعةِ على جبن المواجهة، كُنتُ الكثير من العافيةِ والغرور، كنتُ الكثير من الهناء والسرور، لم تكنِ الحياةُ على قدْرٍ من الشجاعةِ أن تحاول أن تتعصى على أحدٍ أمامي، كانَ الأمل نارًا وأنا جذوته، كانَ حياةً وأنا أيّامه، كان شبابًا وأنا عنفوانه، ثمّ ماذا؟
تمحّل الدهرُ وانطوى بداخلي كل شيء، غريبٌ تتمثل في ثناياهُ دياره المقفرة، فلا صاحبٌ معهود، ولا حبيبٌ موجود، حتّى الأطلال التي كانت ملاذًا للذكريات أبت الثبوت فحالت سرابًا موهنا، نعم، إنّها أيام التمحيص والألم، وهذه هي الحياة، تعبٌ وكدٌ وضنى لمن ظنّها دار الخلود، فما هو ظنّك، أعلمُ أنّ لوعتك أضعاف لوعتي، وفقدُكَ أعظمُ من فقدي، وشعورك أنكى من شعوري، لكنّا إخوة الغربة والبؤس، وهل أشدّ على المرءِ أن يعيش بين الألوفِ من البشر ولا يجدُ من يفهمه، أن يعيش دهرًا بين الأحبة ويستيقظ يومًا ولا يجد أحد، وما ظِلّ الشجرِ بدون من يستظل، وما نور القمر إن لم تصفو سماءُه، وما ضوء الشّمس إذا لم تكنِ البصيرة، هيهات هيهات، أن تنثني عن عهدكَ القديم ونفسكَ الأبيةُ وأملها من أجل هذه الصّروف العابرة، حتّى وإن كانت قدرًا لا ينتهي، ماتَ الجميعُ وأنتَ المتفرد بالفضيلة والمروءة، ألا يكفيكَ أن يُحتذى بك، أن يُهتدى بك، ألم تكن نجمًا يلمعُ في ظلماتِ الدّهرِ لمن ضل، ألم تكن طوق نجاةٍ لمن غَرق، ألم تكنْ وطنًا لمن تغرّب، ألم تكن غوثَ المستغيث، ألم ينبض بكَ قلبُ من أحَبّكَ يومًا ما، ألم تبتسم بك الحياةُ لمن أحببتهم، حنانيكَ يا صديقي، عليكَ أن تصنعَ من أيّامكَ الجمال، ومن روحك فضيلةٌ للزمن والمكان، ولْتعلم أنّكَ لستَ وحيدًا، أنتَ فريدٌ.

ألا هل قاطعٌ يصلُ
لما عيَّت به الرُسُلُ
ويا أحبابيَ الأغنينَ
من قطعوا ومَن وصَلوا
سلامٌ كلُهُ قُبَلُ
كأن صَمِيمَها شُعَلُ
(الجواهري).

-نايف الهذلي

1 فكرة عن “هل أشدّ على المرءِ أن يعيش بين الألوفِ من البشر ولا يجدُ من يفهمه”

  1. نص جميل يلامس الشعور وفيه من المواساة الكثير
    العنوان رائع ويجذب القارئ لتكملة النص

اترك رداً على سلسبيل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *