حوار على الهامش

حوار على الهامش

بقلم بشار الدكيني

بينما كنا نتجاذب أطراف الحديث في جلسة هادئة يملؤها الوقار والشغف، ونستفيض في الكلام عن الكتب والكُتّاب المعاصرين، سألني: “من كاتبك المفضل؟ ” هممتُ أن أقول له: “هي…” بلا شعور، ثم أحسستُ بشيء خفي يمسكني عن النطق، إذ خشيتُ أن يقول لي: ومن هي ؟ وبلمحة العقلاء وذكاء النبهاء، ذهبتُ به مسترسلًا في الحديث قبل أن يبدأ تساؤلاته: الكاتب المفضل في رأيي هو ذلك الذي تقرأه بقلبك ووجدانك قبل عينك وذهنك، حتى ليكاد يعانق روحك كل حرف من حروفه منفردًا، تشعر أن الحروف تفيض عاطفة، وكل حرف مملوء بالدفء، وكل كلمة وُضِعت لتُطبْطِب على جرح في قلبك. هذا هو الكاتب المفضل في عين الشعور وتقدير الحس، لا ذلك الذي ملأت كتاباته الأرجاء وطبقت شهرته الآفاق، ولا ذاك الذي كثرت تآليفه وعظمت تصانيفه. -وأين نجد هذا الصنف من الكُتّاب؟ -من المؤسف أن أُخبرك أنك لن تجده يا صديقي بالبحث والتنقيب خلف أغلفة الكتب، بل سيجده قلبك في خلجاته حين يطوّف بك الشعور في عوالم الأحلام الواسعة، وحين ترى أن الوجود قد اختُصِر في هذا الكاتب بعينه، وأن الحياة قد طُوِيَت إلا منه، وأن قلبك له من دون الناس كافة، لا ينازعه منازع، ولا يدافعه مدافع. – أشعر أنني لم أعد أفهمك! – أنا يا صديقي رجل بالغ التعقيد، قد تراني في لحظة ما ملفوفًا بعتمة الغموض، فتحار في فهمي، وتعجز عن تفسيري وما ذاك إلا لأنني أحترز لنفسي في كل لفظة أنطق بها، وأخاف أن تنفرط عُراي أمام سيل الشعور فتتداعى أركاني وتتساقط بنياني، فألجأ إذ ذاك إلى الغموض لأمنح نفسي مسافة أمان. ولكنّي على العموم صريح العبارة، دقيق اللفظ، يشف ظاهري عن باطني، وتوشك الكلمة أن تقف بيني وبين قلبي كالمرآة المَجْلُوَّة تعكس كل ما يقف أمامها، بلمحة من الشعور تُفك رموزي، وبمسحة من الحس يتضح غريبي. فإن فهمتني فلِنباهة عقلك، وإلا فحسبك عزاء أنني لا أفهم نفسي أحيانًا، فقط هي… هو يفهمني! – ارتسمت على وجهه ابتسامة لطيفة، ثم أردف قائلاً: هدوءك يا صديقي يطربني، ونبرات صوتك المندفعة -كأنها أنغام الموسيقى تسير على نظام ثابت لا نشاز فيه، معطيةً كل حرف حقه من الشعور والدفء -تتراقص لها روحي، فمن أين جمعت كل هذا الجمال والجلال؟ – أسرفت يا صديقي، وبالغت في الغلو، سامحك الله، ولكن اعلم أن هذا الهدوء المرتسم على ملامح وجهي كلفني الكثير، وخضت في سبيله معاركَ لا يقف أمامها إلا صناديد الرجال، ولست أمدح نفسي بقدر ما أقرر حقيقة وأشرح واقعًا، وما بلغت المعشار مما أنفقته من ذاتي، ولكنني رضيت، والسر كل السر في الرضا، فهو السحر اللطيف الذي يجعلك على توافق دائم مع ذاتك، تشتعل الحروب والفتن فتخرج منها سالمًا. -ها قد مر الوقت سريعًا، ونحن لا نشعر، وحان وقت العودة، وما زلنا ننهل من معينك الصافي ونبعك العذب، فكأنما نعيش حلمًا جميلاً بعيدًا عن ضوضاء العالم المهترئ، وأنا سعيد بلقائك يا صديقي. فهل تنوي أن تكرر الزيارة قريبًا؟ – صدقت، فالعقل حين يسبح في فضاءات الفكر، ويطلق العنان لنفسه يخرج عن إطار الزمن، فلا يشعر إلا بالجمال حيثما أدار وجهه، كأنما العالم كله ضروب من الجمال. لكم يسعدني أن يقع العقل على العقل، ويجد الإنسان في هذا العالم من يفهمه ويحاوره وينصت إليه، ويهبه سمعه وبصره، وإني إلى لقائك أحوج منك إلى لقائي، وسأحرص على أن نلتقي قريبًا إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *