بقلم فاطمة المالكي
منذ صغري كنتُ أرى العالم بعينٍ أكبر من عمري، وكأن الله قد وضع في قلبي وعيًا يسبق خطواتي، وحرصًا لا يرضى إلا بالمراكز الأولى مهما كانت الظروف. نشأتُ بين أهلٍ طيبين وقلوبٍ حنونة، وكبقية الأطفال كانت رغباتي كثيرة، إلا أن بعضها كان يُجابَه بالرفض — ربما لضيق الحال آنذاك، فنحن عائلة كبيرة وإمكانات والدي لم تكن تسمح بكل شيء. كبرتُ، وكبر معي الحرمان .. ذاك الرفيق الصامت الذي صاغ جزءًا من شخصيتي، ودفعني للنضج قبل أوانه، وعلّمني كيف أتعلّق بالأحلام وحدي دون معين. كنتُ أحصي أحلامي كما يُحصي الناس أمنيات العيد، وأقول لنفسي دائمًا: حين أكبر، سأكون… وسيكون لي… ولن يوقفني شيء. كنتُ أدرس باجتهاد، وأبني نفسي بصبر، لا ألتفت لحبٍّ ولا زواج، وأؤجّل كل ما لا يخدم مستقبلي. حتى جاء آخر عامٍ في المدرسة… مرض والدي، ثم توفّاه الله. وانكسر داخلي شيءٌ لم أفهمه؛ كأن أحدهم لمس روحي بعينٍ مُتعِبة، فبتُّ أخاف من كل شيء، أميل للعزلة، تتبدّل ملامحي أمام نفسي. حتى معلمتي لاحظت، اقتربت وسألتني: “ما بكِ؟” ولم يكن لدي جواب… لأنني لم أكن أعرف كيف أسمّي ذلك الانطفاء. رغم كل شيء، تخرجتُ من الثانوية بالمرتبة الأولى على دفعتي بنسبة 100%. سجلتُ في الجامعة، وهنا جاءت الصدمة الثانية: لم أُقبل في التخصص الذي حلمتُ به. لم يكن هناك من يوجّهني، ولا من يأخذ بيدي. قُبلتُ في تخصصٍ آخر، وانطفأ شغفي يومها، لكني واصلت السير وربما كان هذا أول انعطافٍ غير مقصود في طريقي. مرّت الأيام. تخرجتُ بمرتبة الشرف الأولى. وتوظفتُ… لكنني سقطت في دوامة الروتين، وبدأ الشغف يخفت. حاولتُ أن أستجمع قواي، وأن أذكّر نفسي بأن الإنسان خُلق ليكون فاعلًا ومؤثّرًا، لا ظلًّا باهتًا على جدار الأيام. إلا أن الحياة — كعادتها — لا تأتي على وتيرة واحدة. تأتي فترات يسمّيها البعض “فترة الركود”: فترةٌ يُصاب فيها القلب بالثقل، والروح بالإنهاك؛ لا خذلانٌ بعينه، ولا كارثة واضحة، بل انطفاءٌ بطيء يجعلنا نشعر وكأن العالم يمضي كلُّه إلى الأمام ونحن في موضعنا منذ عشرين عامًا. لكن هذه هي الحقيقة: نحن لا نرى من سبقونا إلا عند نهوضهم، نراهم وهم يقطفون ثمار أيام طويلة مرّوا فيها بما نمرّ به الآن. واجهوا، سقطوا، عادوا، ثم نهضوا. وربما يمرّون بالركود ذاته مرة بعد مرة… لكنهم لم يستسلموا. وأنا — قبل أي شخص آخر — أعترف أني أكثر من يحتاج سماع هذا الكلام. لأن ما أعانيه الآن هو اجتماع حربٍ نفسية كاملة في لحظة واحدة. لكن رغم ذلك… أنا أعلم أنني سأتجاوز، بعد مشيئة الله، إذا أردتُ أن أتجاوز. فكرتي الوحيدة المنجية في هذا الوقت وكل وقت يقيني الثابت بأن الله بجانبي، يحمل عني العناء، ويُخفّف عني مشقّة الطريق، ومهما ضاقت بي الحياة… فالحمد لله دائمًا وأبدًا.



