الطائرة الأولى! كنتُ في السادسة من عمري حينما ذهبتُ إلى صنعاءَ زائراً للمرةِ الأولى. تمامًا ما زلت أتذكر ذلك الشعورَ الذي راودني حينها، وما زالت الدهشةَ تتراءى لي في مُخيِّلتي بوضوحٍ حتى اللحظةِ. كنت حينها طفلٌ غض الإهاب، قضى أيامَ طفولتِه الأولى في قريةٍ ريفيةٍ تكتنفها سلسلةٌ من الجبالِ المترامية، لأسرةٍ مُزارِعةٍ -كما هي الحال في الريفِ اليمني- لديها ثروةٌ حيوانيةٌ صغيرةٌ كجزءٍ لا يتجزأُ من حياتِها، تتكونُ من الأغنامِ، والأبقارِ، والطيورِ، والدجاجِ، والحميرِ التي هي وسيلةُ نقلٍ مميزةٌ عند المزارعين، وتحظى بتقديرٍ كبيرٍ. في هذه البيئةِ البسيطة نشأتُ وترعرعتُ، وكان والدي آنذاك يعملُ في صنعاءَ. ذات يومٍ قررنا أن نزورهُ أنا وأمي وأخويَّ. ولا أدري، رغم تباعدِ العهدِ، ومرور الأيام كيف أصفُ ذلك الشعورَ الذي خامرني إذ ذاك! لقد سمعتُ كثيرًا عن المدينةِ من قبلُ، وتكونتْ صورتُها في خيالي ويكأنها مدينةُ الأحلامِ: مبانيها العتيقة الجميلةُ، شوارعُها الفخمةُ الواسعةُ، الإضاءاتُ، الحدائقُ، الألعابُ… إلى غيرِ ذلك مما يجعلُ القلبَ يخفقُ تطلعًا إلى اكتشافِ هذا العالمِ المجهول. حزمنا أمتعتَنا، وذهبنا نسابقُ الزمنَ تلهفًا إلى لقاء تلك المدينة التي يعمل فيها والدي. كانت الرحلةُ تبدو طويلةً في النفسِ على قصرِها، صعود وهبوط، وتضاريس متشابهة كأنك تدور في ذات الحلقة وبعد ساعاتٍ حططنا الرحال في العاصمةِ صنعاءَ، كانت الشمسُ قد آلت إلى المغيب، لكن لا وجودَ للظلام! إذ كانت المدينة تتلألأ بأنوارها الساحرة. شيءٌ من الدهشةِ اجتاحني حين بلغنا مشارف المدينة، وبدت علامات الذهول ظاهرة جلية على ملامحي وأنا أرى المبانيَ السامقةَ تلامس السماء، والسياراتِ المزدحمة تملأ الشوارع، والأضواءَ الباهيةَ تتلألأ، فتضفي على النفس سعادة تبعث على الرعشة في القلوب! ورحتُ أقارنُ بين هذه المدينةِ الواسعةِ وتلك القريةِ الصغيرةِ الغائرةِ بين أحضانِ تلك الجبالِ الشاهقةِ. وأنظرُ فيما أنظرُ فلا أرى الأبقارَ والأغنامَ، ولا فضلاتِها تغطي الشوارعَ. فتتضاءلُ تلك القريةُ في عيني وتسمو هذه في نفسي. وما زلتُ على تلك الحالِ أُقلبُ النظرَ وأتعثرُ في الدهشةِ طوالَ يومي وكأنني انتقلتُ من عالم إلى عالم آخر. في صباحِ اليوم الثاني صحونا مبكرين متحمسين لرؤية المدينة في وضح النهار، ولم يكن يخيلُ إليَّ أن هذه الرحلةَ ستستحيل إلى كابوسٍ مرعب! أمامَ النافذةِ وقفت والدتي لتزيلَ الستائرَ حتى تنفذَ أشعةُ الشمسِ إلى الغرفةِ، بينما كنت أنا وأخوي نلعبُ في الناحيةِ الأخرى. وبينا كانت تشرف من النافذة رأت طائرةً تحومُ على مسافةٍ قريبةٍ من الفندق. صرختْ: الطائرة! الطائرة! لم أكن قد رأيتُ الطائرةَ من قبلُ، وكُلِّي شوقٌ ولهفةٌ إلى رؤيةِ هذا الكائنِ العجيبِ الذي لطالما سمعنا عنه ولم نره!! ذهبنا نتسابقُ كالمجانينِ لنرى الطائرةَ، لكنني لم أرَ إلا شلالًا من الدماءِ يسيلُ، وصراخًا يملأ الأرجاء. بدأ كل شيء يتلاشى أمام ناظري، والألوان تخفت شيئًا فشيئًا، والنهار يستحيل إلى ظلام دامس. وبعد ساعات، وجدتني في المستشفى، رأسي ملفوفٌ بخرقةٍ بيضاء، وفمي كأنَّ فيه صخرةٌ تمنعني من النطق!! أين أنا؟ ما الذي حدث؟ سألتُ متعجبًا. لقد ارتطمتُ أثناءَ السيرِ بحافةِ السريرِ، فانضربَ رأسي، ووقعَ فمي على لساني فانفلقَ حتى أوشكَ أن ينقطعَ، فاضطرَ والدي أن ينقلني إلى المستشفى سريعًا، ومكثتُ فيه أيامًا، أتغذى على السوائلِ وأقاسي ألوانَ العذابِ. هكذا استحالت رحلةُ الأحلامِ إلى مأساةٍ مرعبةٍ! وتلك الأماني التي كنت أشيدها انهارت فجأة وتلاشت كما يتلاشى الدخان الصاعد في أفق السماء، وأضحت كل آمالي من الحياة كلمة واحدة أبين بها عما في نفسي من الحسرات. وما إن بدأتُ أتماثل للشفاء حتى أتى القرار بالسفر إلى البلاد، فعدتُ أجرُّ أذيال الخيبة والهزيمة، كارهًا المدينة التي استحال كل حسنٍ فيها إلى قبحٍ في عيني.
بقلم بشار الدّكيني



