بقلم مصعب الشكيلي
مواقف من معترك المدارس، ما أجمله من عنوان!
عنوان يكر بكل قارئ عقودا من الزمان إلى الوراء، وهذه أوبة يستعيد بها القارئ أحداثا لا تنسى، ولكن تراكمت عليها أحداث كثيرة بتقادم الزمان، بيد أن هذه الأحداث هي أس الذكريات ومكونات العقل.
ذكريات أيام الدراسة في المدرسة كثيرة، وهي أرسخ الذكريات. وأرسخها وأشدها ثباتا في الذاكرة بواكير أيام الدراسة، وحالها كحال كل بداية لها طابع الجدة وخوض المغامرة، ولذا يعدها الكتّاب من أنجع علاجات الحبسة الكتابية، إذ يسهل الرجوع إليها بتفاصيلها فسمَوها “منجم الذكريات” ويدخل فيها كما أحسب: أول يوم دراسي في المدرسة، وأول يوم دراسي جامعي، وأول يوم عمل، وأول لقاء مع شريك الحياة، وعدّد ما شئت أن تعدّد من الأوليات واختر ما شئت.
لا شك أن لبيئة المدرسة أثر بالغ في تشكيل شخصية الطفل، ولا ينكر أحد أن ثمة اعتقادات لا تزال راسخة في الكبر، منذ الصغر، معلوم بطلانها ولكن يصعب نزعها، ولا أنسى منها أنه قيل لي بأن التصفير في الليل، نداء للجن. ونعلم كلنا أن جل ما تعلمناه من ألفاظ وتصرفات وسلوك يرجع إلى تلك الفترة من العمر؛ ولذا يحرص الوالدان حرصا شديدا على مراقبة أطفالهم سلوكيا وتعليميا. ومما شاع عند الأطفال في أيامنا هذه ووجد له أثر مذموم: التنمر. عرفنا التنمر لفظا باصطلاح الناس اليوم، وكنا نعرفه قديما سلوكا شائنا يمارسه الطفل -ولا نعرف له اسما- ويقع فيه بداعي فطرة الطفولة لا يعتريه في ذلك كره ولا حسد ولا ضغينة ولا نيةٌ لذلك، ولعل أثره كان في الآخَرين ضعيفا، ولكن استفحل أمره اليوم حتى هبت الأمة لمقاومته جميعا والتحذير منه والتنبيه عليه. بل وجدت عيادات نفسية لعلاج من وقع عليه التنمر لإخراجه من حالة الإحباط والهزيمة النفسية.
وهذا الأمر بحق هو ما ضبط لدي بوصلة الأخلاق مذ كنت في السابعة من عمري -ولربما حال العجب دون تصديقي- فقد كنت أضرب من هو أضعف مني، فلما لقيت من يكافئني قوة أو يزيد، دفعني ذلك إلى التوقف والتأمل بعقل غير مكتمل يقول: ما أنصفت إذ لم تعامل الجميع بالمثل، فكان حريا بك إن ضعفت عن القوي أن تحجم عن الضعيف إنصافا له. فكانت هذه الفكرة دستورا في حياتي رسم لي مسار المعاملة حتى الساعة التي أكتب بها هذا النص. فأصبحت اليوم لا أستقوي على ضعيف ولا أتعالم على جاهل، ولا أستغني على فقير، بل أظهر ما يداني الآخر في الضعف والجهل والفقر، حتى طغى عليّ هذا الوسمُ واسترحت فيه وأرحت نفسي من مشقة التظاهر والتباهي.
ولما كبرت عرفت أن لهذا الاعتقاد الذي بذرت بذرته صغيرا أصلا ذكره أبو نواس في قوله:
فَقُلْ لِمَنْ يَدَّعِي فِي العِلْمِ فَلْسَفَةً
حَفِظْتَ شَيْئاً وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ
ولست أنكر أن الركون إلى هذه الفكرة حدا بي إلى الابتعاد حتى عن مواقف تدعو إلى الظهور بعيدا عن التباهي والتكبر، فأفسد عليّ ذلك فرصا كثيرا لبلوغ ما يصبو إليه أكثر الناس من الشهر والذيوع، بيد أن ذلك كان أسلم لقلبي ونفسي. والسلام.



