توأم لروحي

توأم لروحي

​قبل مغيب شمس أحد أيام الأربعاء الثقيل، والمرض مازال يأخذ مأخذه مني منذ أكثر من أسبوعين ، وبينما كنت طريحة الفراش و متروكه لوحدي في غرفة المعيشة وصوت نواح التلفزيون يملأ الغرفة بأغنية النهاية لمسلسل ليالي الحلمية ، يظهر أخي وأختها الصغيران عند باب الغرفة و ينعيان لي خبر موتها بينما الابتسامة تملأ وجوههما ليس فرحاً بقدر ماكان جهلاً بما يجب أن يكون شعورهما عند وفاة أحد أقربائهم.

لم تكن قريبتي و جارتي و صديقة طفولتي فقط لقد كانت أكثر من أخت وتوأم لروحي. لم نكن نفترق معظم الأوقات كنا نأكل معاً، وندرس معاً وننام معاً و نلعب معاً و نذهب للمدرسة معاً و في الأخير ​مرضنا معاً في نفس التوقيت وبنفس المرض مما ألزمنا الابتعاد عن بعضنا طوال فترة المرض، لكن الجميع في العائلتين لم يقصروا بنقل اخبارها لي وبنقل اخباري لها. 

وبالطبع لم يعرف سبب المرض اطباء طوارئ المستشفى رغم أننا مصابتان بنفس مرض الدم الوراثي وما أصابها هو أعراض مضاعفات تضخم الكبد لربما ان السبب اخذنا ادوية تحتوي على الحديد والدم لايتمكن من امتصاص الحديد فيتجمع في الكبد. لم يكن هناك متخصصون في أمراض دم فكنا نؤخذ الى اطباء باطنيه اطفال وهم لا يقصرون بالمعاينه السريعه وبصرف الحديد والمسكنات مباشرة.

​تأتي ساره لزيارتي قبل وفاتها بيوم عندما أحست ببعض التحسن، وتجلس بجانبي على الفراش وتضع يدها على قدمي وتسألني: كيف أنتِ؟ وأرد وأنا ابكي من الألم : متعبه. وهكذا تجاهلت وجودها ولم نتبادل بعدها أي كلمة أخرى وهي من أتت لتوديعي.

​كانت الصدمة شديدة علي وكنت أستمر بالبكاء ولكن ليس عليها بل من الألم. الذي ربما أصابني بتبلد أيّ مشاعر أخرى. رفضتُ الذهاب لرؤيتها قبل أخذها لمثواها الأخير.

بعدها زاد مرضي شدة واستمررت على هذا الحال لأكثر من شهر حتى لم أعد قادرة على النهوض أو الأكل أو النوم، لا  أستطيع تحريك جسدي يميناً أو يساراً وأنا على الفراش ولا أستطيع حتى رفع يدي من مكانيهما. تناوب على البقاء بجانبي ليلا أبي مع الباقين, وأخي الكبير رحمه الله وخالي وابن عمي الذي كانوا يسهرون ليلاً في الغرفة المجاورة للدراسة استعداداً لامتحانات الثانوية العامة وكانت أمي تبقي معي نهاراً وهكذا استمر الوضع ولم أستطع مراجعة دروسي ولم يتبق للامتحانات النهائية للمرحلة الإعدادية إلا أقل من شهر.

​فقط عندما حضرت ابنة خالي من المدينة التي كانت تسكن فيها وتعمل وكيلة مدرسة هناك، ارتفعت معنوياتي فقد كنت أحبها كثيراً، رحمها الله ،ومتعلقة بها كأنها أخت كبيرة لي.

​وعندما حضرت وقررتُ أخذي معها إلى مدينتها لقضاء فترة العيد معها في بيت عمها فرحت كثيراً وبدأت اجتهد على ترك الفراش والنهوض والأكل وتحريك جسدي المتيبس للاستعداد لرحلة السفر .

​لم يتبقَ للعيد سوى أسبوع واحد ويتلو اسبوع العيد موعد الإمتحانات النهائية لنهاية المراحل الإعدادية والثانوية، سأسافر معها ورغم انشغالها وباقي عائلة عمها بـ زفاف ابنة عمها في العيد إلّا أنّها كانت تهتم بي وتساعدني وتشجعني كثيرا لاجل استعادة كامل عافيتي ولمراجعة دروسي ولاستعادة القدره على تحريك يدي التي تيبست تقريبا لأجل استعادة القدره على الكتابه. كما استطعت أن أخرج وأتمشى معها و أبناء وبنات أعمامها هناك لتعريفي على المنطقة ولمشاهدة تجهيزات الزفاف.

 حين عدت لبلدي بعد انتهاء أسبوع العيد وحفل الزفاف عدت لمدينتي​ ودرستُ ما استطعتُ وحفظت ماأمكنني وبدأت الامتحانات وعرّفْتُ مدير المدرسة والمدرسين بمصابي وبوفاة ساره ، فقدموا لي ماأمكنهم من اللطف والمواساه حتى أن وكيلة المدرسة كانت تبقى معي يوميا قبل بدء الامتحانات بساعه لتراجع معي ماأمكننا من الدروس.

 اما عن الكتابه فكنت أكتُب بصعوبة شديدة لأنني لا أستطيع الإمساك بالقلم جيدا لكني في النهاية وبتعاون من جميع من حولي سواء في البيت أو في المدرسة ، استطعت تحدي ما قالوا عنه المستحيل واجتزت الإمتحانات ونجحت وبفضل الله و لله الحمد.

بعد فترة بسيطة من موتِ ساره، زارتني في المنام. كنا في طريق العودة من المدرسة وكانت الشمس قد اقتربت من المغيب، كعادتنا بقينا نسير سوياً ونتحدث وعند وصولِنا إلى مدخل الحارة الذي يؤدي إلى منازلِنا تابعَتُ مسيري حوالي خطوتين ولاحظتُ أنها توقفت ولم تُواصل مسيرَها معِي فالتفتُ إليها وأنا أتساءَلُ عن سببِ توقفِها ولعلي حثثتُها على المسير إلا أنها قالت لي تعالَي معي فخفتُ ورفضتُ.

وقد ​كان الطريق المعاكس لمدخل الحارة عبارة عن طريق عام طويل يؤدي إلى المقبرة التي اندفنت فيها.

قيل لي عندها إن الميت إذا طلب منك أن تأتي معه في المنام ووافقت على الذهاب معه فهذا يعني أن موعد موتك سيكون وشيكا.

رحمها الله ورحم الله أخي الأكبر وابنة خالتي، لازلت أتذكر هذه المأساة دوماً ولا أنساها، إلا أن هناك فرق كبير بين تذكر الأحداث المؤلمة وبين الكتابة عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *