بقلم محمد الوزاني
القراءة هي ذلك الباب الذي نلِج منه إلى عالم؛ شاسعةٍ معالمُه، كثيرةٍ عجائبُه، عظيمةٍ فوائدُه، آسرةٍ غرائبُه.. من دخل من ذلك الباب استحال عليه الخروجُ منه، مَن ملكت القراءةُ عليه قلبَه وعقله ووقته وجهده صعب عليه الفكاكُ منها..
الخيارات في عالم القراءة متنوعة، عن نفسي أختار تلك الرفوفَ المخصصة للكتب الصفراء، التي تجمع بين العلم الصحيح والأسلوب المتين، أبحث فيها عن أجوبة لأسئلة تُعشش في زوايا نفسي المظلمة، وأروي بها غلّة عقلي الظمآن.. أهرب إليها بحثاً عن الملاذ الآمن والكهف الحريز، كيف لا ألجأ إليها وعصرنا مليء بالتفاهات التي تحاصرنا في كل مكان، وتطوّقنا من كل الزوايا؟! بل قد يجد القارئ في عالم القراءة الطاهر النقيّ تفاهاتٍ قد دنَّست نقاوتَه ونجَّست طهارتَه.. لا أخفيكم أني أبغض كتب التنمية البشرية، أكون سليمَ العقل نقيَّ القلب صافيَ النفس حتى إذا قرأت كتاباً منها ذهبتْ سلامةُ عقلي ونقاء قلبي وصفاء نفسي، وحَلّ محلها الهواجسُ والوساوس.. أعوذ بالله من كتب التنمية بل هي التدهورُ عينُه.. أتدري ما السبب في إخفاق كتب التنمية؟ ربما لأنها تتعامل مع الإنسان كأنه آلة لا روح فيها.
كم من كتب قرأتها بسبب اقتباس منها رأيته على شبكات التواصل الاجتماعي.. يقذف في نفسي رغبةً جامحة في اكتشاف المزيد من الأسرار، مَثَل ذلك كمثل امرئٍ ذاق نتفةً من طعام لذيذ، فأقبل بكُلِّيته على الطعام يلتهمه.
وربما يكون الاقتباس سببا في انصرافي عن قراءة الكتاب جملة؛ لِما فيه من كذبٍ بيّن وتلفيقٍ ظاهر وانحرافٍ عن جادة الحق، أو لما سبَّبه ذلك الاقتباس من غثيان في نفسي.. كشأن من طعِم طُعمة فاسدة فلفَظها من فمه، أو تقيّأها من جوفه، فهل يُقبِل على ذلك الطعام مِن بعد؟!
ثم إن القراء متنوعون؛ فسابق للخيرات وظالم لنفسه ومقتصد.. نعم هناك القارئ الجاد الذي يعطي للكتابِ كلَّه حتى يعطيه الكتابُ بعضَه، وثمة القارئ ذو المزاج، يقرأ على حسب مزاجه، فإذا وجد رغبة في القراءة فذاك، وإذا لم يجد رغبةً انصرف عنها إلى أن تأتي تلك الرغبة، وهناك القارئ السائح الذي يدخل إلى عالم القراءة، فيقرأ من هذا الكتاب عنوانَه وفهارسه ويغلق الكتاب، وينتقل إلى الكتاب الآخر ولعله يخاطر فيقرأ مقدمتَه وخاتمته وقد شعر بالتخمة والامتلاء، ثم يقصد كتابا آخر فيشمِّر عن ساعد الجد ويتنازل عن وقته الثمين فيقرأ نصوصا متفرقة من الكتاب؛ يَهدِف إلى قطف بعض الثمرات الناضجة، وعرضها على شبكات التواصل الاجتماعي، فيظهر بمظهر المثقف الذي اطلع على الأسرار، وأصبح من حقه بل من واجبه أن يدلي برأيه في النوازل العظام، ويصدر حكمَه السديد على رؤوس الأشهاد.
هذا هو القارئ السائح بل التافه الذي لا أتفه منه، طهّر الله عالم القراءة منه.



