بقلم مُنيرة البريدي
حين أقرأ كتابًا قديمًا مهما كان محتواه أشعر وكأني فتحت بابًا على زمانٍ مضى بكل أحداثه، وحين أشرع بالقراءة أشعرُ بنقاءٍ حولي حيث الهواء النقي الذي لم تلوثه محركات المصانع ولا وقود السيارات ولا روائح البلاستيك، بل هنا رائحة الشجر والطين وفتيل المصابيح القديمة في السرج، أسافر عبر الحبر إلى أعماق الفكر وفلسفة الرأي وفصيحِ الكلمات وبليغِها وكثير من كلمات نسجت بحبكة وبلاغة تأسر اللُّب، وما إن أستغرق في القراءة حتى أكتشف كلمة جديدة لم أسمعها من قبل فأسارع لأبحث عن مرادفها.
تلك الكتب القديمة التي نقشت في عصرٍ خالٍ من كثير من المشتتات ومن الماديات ومظاهر الإسراف ومن النهضة التقنية وغيرها، ولكن يبقى أننا كلنا من بني الإنسان لدينا نفس القيم السامية والمشاعر وكثير من المهام والواجبات والأعمال المشتركة،
إني لا أحكم على كتاب أو كاتب لأجل اقتباس ولكن ذلك قد يعطي انطباعًا جيدًا عن الأسلوب وجودة النص، لذا تشدني الاقتباسات لاسيما إذا كان النص قديمًا لكاتب أو كتاب لتلك العصور، وهو بمثابة دعوة للبحث والتقصي بشغف ولهفة لاكتشاف وقراءة المزيد.
كما يجذبني أسلوب الكاتب الشيق والكلمات حين تلامس المشاعر والتجارب والتطلعات المشتركة، رغم انطواء ذلك الزمان إلا أنه ما زال مُسَطَّرًا لدينا كثير من تاريخه وأحداثه ومآسيه ومجده وما إلى ذلك.
وما إن أتماهى مع القراءة حتى أرى نفسي وكأن شيئًا استجد فيها كإحساس الحصول على شيء جديد أو عمر مديدًا فقد قيل:
“القراءة هي الحيلة الوحيدة للانتصار على قصر العمر.”
وما أجمل قول العقاد: “يقرأ الإنسان لأنه لا يستطيع أن يعيش أعمار الناس جميعًا ولكنه يستطيع في عمر واحد أن يشعر بما شعروا به ويختبر ما اختبروه من طريق القراءة ولا نحتاج في ذلك إلى أكثر من ساعات الفراغ التي نضن بها على الضياع” وأنا أقول وحتى الأزمان نعيش فيها حين نقرأ كتبًا سُطِّرت فيها.



