الأجيال العمرية والقراءة

الأجيال العمرية والقراءة

بقلم ندى الغيث

عندما يُولد النص يحمل معه للعالَم جينات عصره الذي نبتَ في رحمه ونشأ فيه من لغة وسمات ومشاعر ، وحين يستقبل القارئ النص فإنه لا يتلقاه بجوف فارغ ، بل يتلقاه بما عَلِقَ بنفسه من محيط زمنه ومدخلاته الجديدة من التكنولوجيا والهيئة السريعة ، وإنّ أكثر ما يمتاز به جيل الورق بالنسبة لبقية الأجيال هو سمة الصبر والتعمق في التفاصيل ، حيث يجد القارئ لذة ممتعة في الغوص في مجلدات عديدة ، وإهدار أوقات مديدة في سبيل اصطياد دُرَرَ المتقدمين النفيسة ، أما جيل الإنترنت الذي ترعرع في المسارات المعلوماتية السريعة ، أضحى نمطه مستنسخًا عن نظام حاسوب، يستقبل النص بعملية مسح سريعة بعيون وعيه الباحث عن المعلومة المفيدة ، مُتجنّبًا لأي تفاعل مع الإثارات النصية ، وما ذلك لخللٍ فيه ولكن لطبيعةٍ طغت عليها كثرة المشتتات وقلة الوقت ، وعن جيل ألفا فحدّث ولا حرج ، قد نبالغ قليلاً في وصف نمطه بالتفاعل الكيميائي بين المُذيب والمُذاب فيه ، هو لا يقرأ ليتلقى المعلومات أو يعيش لحظات كتابة النص التاريخية ، بل يبتلع النص لإذابته وإعادة مَنْتَجَتِه بما يتوافق مع طقوس السوشيال ميديا ، وإخراجه كأبرز مقطع أو منشور مؤثر ذو تحصيل مشاهدات مُعبّر .

ومع اختلاف أنماط القراءة بين الأجيال الثلاثة، إلا أنه لا يستدعي وجود الصراع فيما بينها في الأفضلية ، الذي يؤدي إلى إثبات نمط وتهميش البقيّة ، ولكنه أدعى إلى تقبل فكرة أن النص واحد لكن انعكاساته في مرايا هذه الأجيال مختلفة ، الأمر الذي يدفعنا لرفع رايات التسامح والغفران ، وإغلاق منافذ تعميم الأحكام وإثبات الخذلان ، لنصل بعدها إلى حقيقة أن كل نمط في القراءة صحيحٌ في نطاقه ، ولكن قمة النفع تَكمنُ في استكشاف ذلك الخيط الذي يصل بين هذه الأنماط المختلفة ويُؤلّف بينها .

هذا الخيط الذي أصفه بالإشتراكية البشرية ، نعم ..
نحن البشر :
١) نقرأ بحثاً عن مشاعر دفينة بين الأسطر ، تلامس مشاعرنا الحبيسة داخل صدورنا ، فتتشقق عنها الجدران ، وتتنفس الصعداء ، فنغدو بعد ذلك سعداء .

٢) نقرأ بحثاً عن حكمة قد تناثرت بين الفصول ، يُحرّكنا الألم الذي أشعل داخلنا بعد تجارب موجعة ، من جهالةٍ كنا موسومين بها ، للقفز برشاقة لصيدها والرّقي بها لمنازل العقلاء .

٣) نقرأ بحثاً عن وقتٍ مستقطع نترجل فيه عن عجَلة دوراننا السريع في رحلة الحياة ، يشبه إلى حدٍ كبير استراحة المحارب ؛ نتفقد فيه ذاتنا ، ونشحن به طاقتنا ، ونخيط به رداء صبرنا ، ونجدد به علاقتنا مع هدوئنا .

4) نقرأ لأن فينا خاصية حبّ الخير للجميع ، هذا الحب الذي يصهر النصوص ويجعلها في قالب جميل، دون خدش لجوهرها الجزيل ، لجذب القلوب وإضاءة العقول ، يُناسب به الحداثة ، لكسر قيود البطالة ، لتحقيق مطالب الوجود من العِبادة والعِمارة .

ختاماً… أُقدّم لنفسي وللأجيال الثلاثة هذه النصيحة :
لسنا بهذا القدر من الكمال الذي يدفعنا لانتقاص غيرنا وتسفيه إدراكه ، بما أن النص قد خرج للجميع ولم يَعد احتكاراً للمؤلف فقط ، فعلينا احترام رغبة البعض في التغيير ، فهي سبيلهم في إثبات قيمتهم ، لِندع التشدد جانباً ولنرحّب بالمرونة صاحباً. وإن لَمسنا في أنفسنا نفور من النصوص الطويلة ، فما علينا إلا أن نلجأ للدُّربة مراراً وتكراراً لِنصل إلى رتبة الصبر الجليلة ، الحقُّ أننا لن نستطيع اختصار كل شيء ، هناك إطالةٌ مانعةٌ جامعةٌ ، تأبى أن تكون مختصرة ، فلنعطها فرصة حتى لا تطرق أبوابنا الحسرة . ولنحرص على الدقة وعمق الفهم ، قبل صهر النص وإعادة تشكيله ، احتراماً لقدسية ما أراد الكاتب إيصاله للقارئ ، فلتكن الأناة أداتنا والتواضع سَمْتَنا في هذه العملية ، لنؤدي الأمانة بمسؤولية وتِقَنيّةٍ عالية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *