Close-up image of an open book with pages turning, creating a dynamic visual.

لم تكن القراءة يومًا هوايةً أُبدِّد بها وقت فراغي، ولا مهمّةً أُنجزها لينتعش فكري، وأُتمَّ بصفاءٍ وتركيزٍ بقيّة مهامي اليومية، بل كانت القراءة -وما زالت- جُزءًا نفيسًا من ذاتي، وزاويةً بهيجةً من أيامي، آوي إليها هربًا من همّي ومشاكلي، لألقى عندها الأمان والراحة، وكلَّما شعرتُ بالضجر أو الحُزن أجد بين دفتيّ الكتاب العزاء والسلوى.

هُناك بين الصفحات يتجلّى لي عالمٌ ساحرٌ، زاخرٌ بالأسرار، ولا حيلة لي أمامه إلا العجب والدَّهشة، أتطلَّع برغبةٍ وشغفٍ غامضين لسبر أغواره، وتقصّي أنحائه، فأنال بذلك لذّة الاكتشاف، وأُشبع فُضُول العقل للمعرفة.

لا أقيس قيمة القراءة بمقدار كمِّ الكُتب التي أنهيتها، ولا عدد الصفحات التي أقرأها يوميًا، بل بمقدار ما أشعُر به من نُضجٍ في سُلوكي، وتباينٍ في رؤيتي للحياة، وحُكمي على المواقف والآخرين، وأيضًا بمقدار ما تزداد الرَّغبة في القراءة والوله بها، أن أقرأ أكثر لأتعلَّم أكثر: كيف أُفكِّر، كيف أنتقد، كيف أتحدَّث وأُحاور، كيف أختلف مع الآخرين، وكيف أُشيّد حكمتي في الحياة على أساسٍ ثابتٍ سليم. 

لم يُخطئ الشاعر حين قال: ” وخيرُ جليسٍ في الزَّمان كتابُ” 

فعلًا، الكتابُ خيرُ جليس؛ يُجنِّبك مُخالطة من لا تنفعك رفقته، ويصونك عن رؤية وسماع الكثير ممَّا لا يليق بك، فيسمو تفكيرك، وترتقي بأحلامك، وتُدرك مع الوقت أن عمرك ثمينٌ جدًا، وحريٌّ بك أن تُنفقه في صحبةٍ خيّرة، وأعمالٍ تُصلح شأنك في دُنياك، وتحصد بها الفلاح في آخرتك.

كم أُحبَّ القراءة! وأراها من أمتع النّعم وأجلّها؛ فقط ركنٌ هادئٌ وساعاتٌ فارغةٌ من يومك تحشوها بما يسُرّك وتجني ثماره بعد حين.

حين تفرُّ من ضجيج العالم وكُلّ التفاهات التي يزخر بها، وتغرق في نصٍّ ما لكاتبٍ ما، تُبحر في نفسه، وترتشف من مشاعره، فتلمس في ألفاظه معانٍ لا محسوسة، وتسمع كلماته تهمس لك بما لم يقل، عندها تجد نفسك تشعر به، وتعيش تجربته، وتنمحي بينك وبينه كُلّ المسافات والأزمنة. 

في لحظةٍ قصيرةٍ تحيا أعوامًا مديدة، وتعبُر مساحاتٍ شاسعة، وترى ثقافاتٍ عديدة، تعيش مواقف وبطولاتٍ وملاحم، وتُحاور علماء وحُكماء وشعراء في أزمنةٍ بعيدة.

بالقراءة أسلك سُبلًا واضحةً تقودني لنفسي، لأراها بعينيَّ ولكن بنظرةٍ جديدة، وأظلّ أرقب ما يجُول فيها من هواجس ومشاعر وأفكار، وأفتح الباب كُلَّما عبرت فكرةٌ نفيسة، أو خاطرةٌ بديعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *