لم أنسَ الأيام التي كانت فيها الكتب ملاذي لأول مرة، حيث أنَّ لحسن حظي كانت مكتبة المنزل تحوي العديد من أصناف الكتب التي تلبي فضولي وتملأ وقتي؛ فرفٌ يحوي مجلات بين دفتيها بعضا من همومي ومشاعري، أو معلومات فريدة وقصصاً مسلية، وبين ورقاتها القليلة كنت أرى العالم منها واعتبر كل شخص فيها صديقاً لي، ورف آخر لكتب ثقافية مليئة بالمعلومات التي تسليني وتغذيني، ورف آخر لكتب إسلامية نشأت على أخلاقها.
ومع مرور الوقت تطول ساعاتي مع الكتب وبدأ حبي لها يكبر شيئًا فشيئًا دون أن أشعر، حتى تمكنت مني واستولت على فكري ومتعتي، فكانت لا صديق إلا هي ولا أنيس إلا أنسها ولا جلساء إلا ساكنوها.
وفي احدى الإجازات الصيفية تعرفت على مجتمع ثقافي مستهدف فئة عمري يقيم عليه أفاضل والكتب التي فيه تلائمني أكثر من التي موجودة في مكتبة المنزل، فأصبحت أكثر الذهاب إلى هناك واجلب كتبا جديدة إلى البيت.
وبدأت أشعر بالتميز ويصيبني العجب وقتها وأحاول جدالَ أقراني ثم تطور الأمر بعد أن تمكنت في مواضيع أكثر لجدال حتى المعلمين باستعراض المعلومات ومحاولة تصيد الأخطاء ولو أنني كنت أظهر الأدب أثناء ذلك، وكان يغذي هذا الشعور نظرات الإعجاب وكلمات المديح التي تكال لي بين الحين والآخر من الأقران أو الكبار، غير أن تأنيب الضمير الذي يلازمني برؤية الإحراج الذي يكسو الطرف الآخر جعلني أعدل عن هذه الآفة حتى هذب طبعي القرآن والاكثار من قراءة سير الصحابة والتابعين فكنت اقارن نفسي بهم فلا أجد مكانا للمقارنة، وهكذا بدأ التهذيب يظهر تدريجيًا، أحيانًا يختفي وأحيانًا يزداد ثباتًا، إلى أن صار همّي البحث عن الحقيقة أكثر من محاولة الفوز في الجدل.
ومع بدأ انفتاحي على المواقع والمنتديات، كنت أتنقّل بين المواضيع الجدلية، باحثًا عن موضع الحق من ذلك، حيث أن لكل طرف وجهة نظر تبدو بالنسبة لي مقنعة، حتى اكتشفت أن العلم أكبر من أن أحوزه كله، وأن ليس كل ما في الكتب حقيقة مطلقة، خاصة مع بعض القصص أو المعلومات التي يتم الاستشهاد بها والتي تبيّن لي لاحقًا أنها بلا أصل أو مختلقة، وبعضها مرتبط زورًا بالدين.
وكذلك تبين لي أن لكل مذهب وجهة نظر مبنية على أصول معينة، فكما أنني أسلم بأشياء لا أعرف أصلها ثقة بمن تلقيت منهم فهناك شخص آخر يفعل مثل الذي أفعل، فكنت حينها حاطب ليل وجارف سيل، وأما المواقع التي كانت تستهويني أكتشف لاحقاً أنها تنقل من الكتب فأرجع للكتب إذا أعجبني شيء منها.
وعندما دخلت الجامعة كان أحد الأساتذة يتعمد أن تكون بعض مواضيع البحوث غير متوفرة عنها معلومات كافية في الإنترنت، فكان ذلك يستهويني، وبدأت مرحلة جديدة مع الكتب: البحث في المكتبة عن كتب نادرة لا يمكن إيجادها إلا في أماكن محدودة، فكنت اذهب لمكتبة الجامعة دائماً وأقضي وقت الفراغ فيها وابحث في الانترنت عن الكتب حتى أصبحت اقرأ عدة كتب في محاولة الإلمام بموضوع البحث ولا اعتبر ذلك شاقا بل أمرا ممتعاً، حتى أنني كنت ألقيه عن ظهر قلب لشدة إلمامي به، وأجيب زملائي والدكتور عن أسئلتهم حوله، رغم امتعاض بعض الزملاء من ذلك التصرف بدل الاكتفاء بقراءة العناوين وبعض النقاط المختصرة كما يفعل الباقون، وأدّى تكرار ذلك إلى عدم محاولة إظهار كل المعلومات التي أعرفها كاملة، والاكتفاء بإعطائها لمن يحتاجها.
ومع مرور الوقت، تعزز يقيني بأن الكتب هي الموطن الأول لنشر الأفكار، والمكان الأمثل لوجود المعلومة الكاملة والحقيقة الراسخة، ولترابط الأفكار جميعها في مكان واحد حول فكرة محددة.
فالرجوع إلى الكتب أصبح أمرًا لا مناص منه، مع إدراكي أن فيها الغث والسمين، لكن القناعة التي توصلت لها هي أننا نقرأ كل يوم لأن المعلومة تستحق أن نبذل الوقت لأجلها، والكتب تمثل العمق والبناء الراسخ، وتظل بوصفها عقلاً منهجيًا ثم مصدرًا أصليًا لها.


