طوفان الوعي بقلم ندى الغيث

A young man wrapped in a Palestinian flag walks with crutches through a field in Bangladesh during the day.

تزامنت أحداث طوفان الأقصى مع أقسى أيام مررتُ بها في حياتي ، وقد أسميتُ هذه المرحلة : ( طوفان الوعي )
هذا الطوفان بكلِّ ما اصطحبه من صدمات والآلام وكشفٍ للغشاوة عن بصري وفَضْحٍ لحقيقة أشخاص كنت أظنهم سندي وأماني ؛ جعلني أغرق في نوبات هلعٍ عنيفة ظننتُ أنني لن أنجو منها أبداً، وكبَّلتني أصفاد الخوف وحجزتني في زنزانة الشتات ، فهَزِلَتْ روحي وانطوت نفسي .


وفي إحدى الليالي السوداء التي تتشابه بداياتها بالبكاء المُنْهمر على وسادتي حتى أفقد قدرتي على البقاء متيقظة فتغفو عيوني المتعبة ، قمتُ فجأة كأنّ هناك من نبّهني لأمرٍ مستعجل ، ونظرتُ للوقت فإذا هو الربع الأخير من الليل، توضأتُ وصليتُ ركعتين لم أُصلّ مثلها من قبل ، صاحبني الخشوع وأظلتني السكينة حتى سجدت فأحسستُ بالقرب الآمن ، فانفجرتُ باكيةً مستغيثة ، أن يُنقذني الله من هذا الكرب ويُفرّج عني ما أنا فيه ، وأن يُبصرني نفسي فيدلني على الخلل ويُعينُني على إصلاحه ، وأن يُظهر لي مواطن قوتي وأن يُرشدني إلى كيفية تفعيلها في مرضاته وطاعته وخدمة الأمة ، وما أن انتهيتُ حتى ذهب عني ما كان قد أثقل كاهلي من الهمّ والغمّ ، ووقع ناظري على مصحفي وبجانبه مجموعة الكتب النفسية التي طالما قطعتُ لها وعوداً لمجالستها وأخلفتُ موعدي ، فشعرتُ بانجذابٍ كبير ، تُترجم بعدها إلى علاقة حبّ وثيقة بالقراءة ، وما أن بدأت بها حتى أحسستُ بتكسر أصفاد الخوف عني ، وانسللتُ بخفةٍ من بين قضبان التيه .


نعم، كانت القراءة بفضل من الله بمثابة طوق نجاة ، انتشلتني من هلاك وشيك ، وكانت منارةً أضاءت دروبي المظلمة ،ويدًا صادقةً أعانتني على الوقوف مجدداً ، فالمعرفة التي غمرتني بها بتوفيق من الله رمّمَتْ تَصدّعَي وجبرت كسري .


أضحت القراءة بستانُ سعادة ، أتنقلُّ فيها بشغفٍ لذيذ من كتاب إلى كتاب ، كالنحلة تتراقص برشاقة من زهرة إلى زهرة ، وتحررتُ من نُسخة كدتُ ألقى حتفي بها ، إلى نسخة أقوى وأنقى وأوعى ،  واستدعى الذي خَزَنْتُهُ من عقول الكُتّاب مهارات الكتابة عندي ، فاسترسلتْ يدي تُفرّغُ ما في داخلي من بقايا مشاعر مضطربة ، ونظّمتْ طريقة تفكيري ، وأزالت ما عَلِقَ بقلبي من أشواك السلبية ، بفضل الله ثم بفضل القراءة ما عدْتُ تلك الضحية التي تستجدي الشفقة ، بل أصبحتُ البطلة التي بصمودها وكتابتها ستسطر  معالم تقتفي أثرها كلّ من عانتْ وتألمتْ ، أَشدُّ بها أزرها ، وأخيطُ بها جراحها ، وأُشْرِكُها في خفايا خبرتي ، لتشرق شمسها من جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *