وصيّة منتصف الليل

المستشفى 1024x1024

بقلم نوف الشمري

الناس نيام، والهدوء يعم المكان، لا تسمع سوى خطى العاملين بهدوء.
حاول ألا توقظ نائمًا قدر الامكان، ولكنك آت للاطمئنان عليهم، فتجد نفسك تناقض ذلك.

برد الليل وهدوؤه، وأنين ساهريه، أجوب هنا وهناك…
لِم الليل مضن وطويل؟ ولِم الألم لا يزول؟ ولِم لا يكون الأمل شعار الجميع؟
أحاديث لا تنقضي في الذهن، فتجد نفسك تعمل لتلهيها عن الغوص في بحر ليلك العميق.

الغرفة مئة وثلاثون، في منتصف المبنى، تتكون من بابين، يعزل أحدهما الآخر؛
فيكون الأول لممر صغير، ثم يكون الآخر لهذه الغرفة.
هنا يكون العم حسن، وهنا يكون العزاء والألم.

سألت عن حاله، فقال: “أنا بين يدي الله، فلم الخوف من الموت؟”
ذهلت قليلًا! ما الذي دعاك يا عم لذلك؟ وفي هذا الوقت، من منتصف الليل؟ ماذا حدث؟
فأردفت قائلة: “اذكر الله يا عم.”
ويلتفت إلي، يبحر بعيدًا، ثم يعود ويقول: “إني عشت من الدنيا ما كفاني، وبعد هذا العمر، ماذا أرتجي؟”
قلت وأنا أخفي حزني بين أضلعي: “لا تيأس من رحمة الله.”
ثم بدأ يحدثني عن عمره الذي انقضى، وعن عمله وعلمه، وضربه للأمثلة، يقول بعضها، وينسى الأخرى، فأكملها له.

ثم يكون الصمت.. ودموع ابنته في زاوية تلك الغرفة، لهيب يدفئ برد قلبها،
وزوجته، حبيبة روحه، مطرقة، يأكلها تفكيرها، وتحارب ذلك في احتضان يده: “ولم يا حسن، تقول ذلك؟”
أرى ذلك الحب الحقيقي الصادق بينهم.
فالعم حسن يبلغ من العمر قرابة الثمانين، فكيف كانوا قبلًا؟ منظر لطيف.. حزين.

نعود إلى العم حسن، ينادي النور قبل أمها! ناداها، يوصيها بأمها،
كانت زوجته قبل كل شيء، أوصاها ثلاثًا: “أمك، ثم أمك، ثم أمك، فإنها والله ما آذت أحدًا، أوصيك بها خيرًا.”
ودموع النور خضبت وجنتيها، تبكي بصمت، وأنا أشاهد الوصية التي كنت أسمع بها، وأنا الآن أعيشها…
يا لمأساة الموضوع.
ثم يلتفت بعينيه من النور إلى أمها:
“يا أم النور، أوصيك بالأولاد خيرًا، أعدلي بينهم ولا تفرقي.”
أرى في عينيها الخوف وهي تحاول أن تسكته وأن تغير الموضوع، فهو في وعي وآخر.

ناديته: “يا عما”، ونظر لي وتبسم.
قلت ما شاء الله لي من كلمات، بأن: “تكون متماسكًا ما دام الله ربك.”
ثم ودعته وودعني، إلى اللقاء يا حبيبتي.

ولا أزال في ذلك الموقف، تلك الوصية والدموع الجلية.

كيف لها النور وأمها أن يناما؟
وهل كانت أيام العم حسن متعبة لهذا الحد الذي يرجو فيه خلاصه؟
وأنه عاش ما عاش وختام الحياة الموت…
رحلت ولم أرحل، جسدًا هنا وقلبًا هناك؛ أسيرة تلك اللحظة وتلك الكلمة وتلك الغصة.

لم يكن العم حسن يحتضر وكان بخير، ولكنه أحس الوداع وكان كذلك، أيام قليلة ثم ذهب إلى جوار ربه وبقيت وصيته وكلماته.

النور انت يا ضي قلبي
بالله روحي في حنانك
اودعتها لك، من غير شك
اما، يا بنيتي، في امانك
ويا ام النور، انت
نور قلبي، وانواره جنانك
احفظيها، وهم لي كون
من جور الزمان، في دلالك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *