اليأس عونٌ على الصبر

اليأس عونٌ على الصبر

بقلم مصطلح

إن الإياس من أنفع مزايا النفس ، يعيد الصفاء لها بعد الأعاصير الهوجاء التي تدهمها . فالرحيم جل جلاله ركب في الإنسان طبائع وأخلاق لتقيه الأحزان والأكدار ، أو لتوقف سيلها الجارف بعد انتفاضه، فالإنسان يغيب عنه عقله ويذهل عن حجته في مواقف وأشدها عليه الشهوات والعشق والهوى ، فترى الواحد منهم يطلق بصره يجيله في سوق المحاسن حتى يقع على امرأة تملك عليه لبه وتعمي بصيرته وتستبد بشغاف قلبه ويحاول قرباً منها وفوزاً بقلبها ؛ والمسكينة لا تعرفه ولم تكن بينهما عشرة سابقة ولا قصة من قصص ألف ليلة وليلة لتوله به ، وإنما قفز عليها كالأسد على حين غرّة فما كان منها إلا رفضه وإغلاق الأبواب دونه، فتفترسه جحافل الأحزان والأكدار حينها وتقعده عن شريف الفعال ، وهو في حاله لا هو في الأرض ولا في السماء وإنما مسلسل في عوالم خياله ؛ وأخلق بمن هذه حاله أن يموت إن استمر شأنه .

ولكن الله ركّب فينا طبع الإياس ، فمتى طالت المدة وانفلتت عقد الزمان رجع المرء منّا إلى صفائه وانقشعت سحائب الأحزان وأيقن أنه ما من مطلوبه نصيب . فهذه حالة المضطر الذي تروّضه الطباع دونما شعور أو إرادة ، فحاله كحال المريض الذي يذهب إلى طبيبه اضطراراً كارهٌ رؤيته ، مُمقتٌ عيادته ، مُشمئزٌ من ابيضاض زيّه المذكر بالأكفان .

أوليس أغلب البشر مذهولون عن عقولهم يعيشون كالبهائم في هذه الحياة ولا يتنبهون لمعاني الأشياء ومعالي الأمور ، والله الرحيم الخبير علم أن من طباعهم الجهالة ﴿ وَحَمَلَهَا الإِنسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلومًا جَهولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] والعجلة ﴿ وَكانَ الإِنسانُ عَجولًا﴾ [الإسراء: ١١] ؛ فركّب فيهم طبائع ليثوبوا إلى الصفاء والطمأنينة من تلقاء أنفسهم بعدما أوردوها موارد الحزن والشقاء .

ثم إن قلب الإنسان شيء ، ولُبّه وعقله شيء آخر ، فقد يتعلق قلب المرء بامرأة أو منصب أو ضيعة من الضياع ولا يناله ، فيتألم ويتحسر ، ويكون لديه من ميزان العقل الشيء الوفير ، فيجر قلبه تأديباً إلى ساحة الإياس بإرادته حتى يقطع عنه الأماني ؛ فيكون فعله كالدواء للسقيم.

وهذا هو ما عنت به أم الضحاك المحاربيّة في شعرها حين قالت : سألت المحبين الذين تحمّلوا تباريحَ هذا الحبِّ من سالفِ الدهرِ فقلت لهم : ما يُذهب الحب بعدما تبوّأ ما بين الجوانح والصدرِ فقالوا : شفاء الحبِّ حُبٌّ يزيله لآخر، أو نأيٌ طويلٌ على هجرِ أو اليأسُ حتى تذهلَ النفسُ بعدما رَجَتْ طمعاً ، واليأسُ عونٌ على الصبرِ فانظر لهذه الشاعرة الحكيمة ، التي أحبّت زوجها حباً غفيراً ملك عليها شغاف قلبها ؛ ثم إنه طلقها ، فجعلت تقول أن اليأس عونٌ على الصبر .

وهذه حالة الرجل المُوفّق الحكيم الذي راض نفسه بإرادة منه وتوفيق من ربه. وما أبعد هذه الحكمة عن الذين أمرضوا أبدانهم وأماتوا قلوبهم بذكرى المحبّين ، وما درا المحبوبين عنهم وما انتفعوا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *