بقلم أبو البراء
أظن، وربما ظني لا إثم فيه ولا حرج، أن السعادة تنطبق عليها قول الشاعر: وما السعادة في الدنيا سوى شبحٍ ..فإن صار جسماً ملَّه البشرُ فهي على هذا التعريف وهمٌ تتزلف بها البشرية في الحياة الفانية التي طينتها الكدر، وأُهبِط إليها أبو البشر؛ بعد ما كان عند ربه في سعادة كاملة لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى. وها هم أهل الإيمان يقولون ذلك ضمناً أو بمفهوم المخالفة حين استقرارهم في الجنة. قال تعالى: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وأحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصب ولا يمسّنا فيها لغوب). لأنها كما قال القائل: طبعت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأكدار والأقذار نعم يا صديقي، نحن في دنيا السجن الملعونة “أذكرك ليس إلا”. فوعودها سراب، ومدّعي السعد فيها أغلبهم كذّاب. خاصة ونحن بزمنٍ يسوسه حكّام غاب، ويتوب الله على من تاب. أتفق معك يا صديقي أن السعادة خلقها الله، وأنها في الوجود بلا شك. لكنها مؤقتة وآنية، وربما مقيّدة بأمور وأغراض زمانية ومكانية. ولله درّ الشافعي حينما قال في قصيدته الزهدية: ولا حزن يدوم ولا سرور ومثله أبو العتاهية قال واعظاً هارون الرشيد حينما هزّته نشوة السرور والسعد بافتتاح قصره: “عش ما بدا لك سالماً .. في ظل شاهقة القصور يجري عليك بما أردت .. مع الرواح وفي البكور فإذا النفوس تغرغرت .. في وقت حشرجة الصدور هناك تعلم موقناً .. ما كنت إلا في غرور”. لك أن تخالفني، وتأخذ لك فنجاناً أو أكثر من الشاي، وتستمتع بوقتك، فهنيئاً لك. وقد تجد أن هناك أناساً ركبوا السعادة قَدَماً؛ لكن… وماذا بعد؟ أليس تجردوا من كل شيء، وتركوا كل شيء، وارتحلوا إلى قبورهم بلا شيء؟ ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكل نعيم لا محالة زائل. لتعلم يا صديقي أن الصحابي الزاهد عثمان بن مظعون كان شاهداً حينما تمتم رجل من قريش هذا البيت، فابتدره مقاطعاً: ( كذبت، إلا نعيم الجنة ). نعم، ونِعم ما اعترضته به يا ابن مظعون رضي الله عنك. فهذا هو بيت القصيد، والسعد الأكيد، وهو بحق المطلب الوحيد الذي يستحق أن تبذل كل شيء لتحصيله، وأن تمضي حياتك كلها في الوصول إليه. وبهذا فالزم، وشمّر بالجد، وتقدّم. يغنيك عن كثرة الكلام، فكثرته لا تسعدك ولا تسقيك، بقدر ما تُضنيك وتُشقيك. فإنك تجد المؤلفات عن السعادة متوفرة تقريباً في جميع المكتبات الثابتة والمحمولة. كتب فيها الصالح والطالح، والسعيد والشقي. لأقرب لك الأمر أكثر، وبالمثال يتضح المقال. ديل كارنيجي ألّف كتاباً في السعادة أسماه: “دع القلق وابدأ الحياة”، وربما ألّف أكثر من كتاب في هذا الشأن، وهو بحق كتاب يستحق النظر إليه والتأمل فيه. ولقد اقتبس الكثير من الناس من كتاباته وكلماته الرائعة في السعادة، لكن للأسف أن ديل كارنيجي مات منتحراً. خلاصة الكلام يا صديقي: ” ولست أرى السعادة جمع مالٍ ولكن التقيّ هو السعيد “. فالزم باب الله، تكن أسعد الناس. غذِّ روحك بالقرآن وبالإيمان، وتوكل على العزيز الرحمن. عش الرضا في حياتك وبما قسم الله لك. تحلَّ بالأدب، وتخلّق بالحلم والمروءة. عش في حدود يومك ما دام أن الغد لم يأتِ. ودع عنك همومك، وانشرها بين يدي الله في محراب الصلاة، لتؤدَّها برفق، وتتنفس بها بعمق. (وجعلت قرة عيني في الصلاة). وتعال معي وتذوّق فنجان سعادة من: (ومن الليل فسبّحْ وأطراف النهار لعلك ترضى). كتب الله لك السعد والسعادة.



