اليقين بالله تعالى

اليقين بالله

بقلم ندى الغيث

لطالما استوقفتني قصة سيدتنا هاجر مع ابنها الرضيع سيدنا إسماعيل عندما تركهما سيدنا إبراهيم عليه السلام في صحراء قاحلة خلتْ من معالم الحياة . وتأملتُ فيها مرحلة تَسلُّل الخوف الفِطْري إلى نفس سيدتنا هاجر الذي صاحبه مزيجٌ من مشاعر الحُزن والألم على فراق زوجها المفاجئ الغامض .

ولكنها لم تستسلم لضعفها الأنثوي الإنساني وسدت آذانها عن الوسواس الشيطاني ، فنبهها حُسن ظنّها بسيدنا إبراهيم ؛ النبي الكريم الذي يُحال أن يصدر عنه قرارٌ لئيم ، فألحّتْ عليه تسأله عن السبب إذاً ؟؟ وهو مستمرٌ في الابتعاد عنهما ولا يُجيب ، إلى أن أحست أن هناك أمرٌ عظيم انصاع له سيدنا إبراهيم، فسألته حينها : آاللهُ أمرك بهذا؟ فردّ عليها : نعم .

فتراني أنظرُ إلى سيدتنا هاجر التي كانت قبل قليل مُطفئة مبعثرة الأفكار ، تقاوم مشاعرها المختلطة … قد توهّجتْ فيها حرارة الإيمان العميق فاشتعل اليقين في قلبها فأنطق لسانها بثباتٍ ورباطة جأشٍ: إذاً لن يُضيّعنا الله ، ورجعت لرضيعها بعد أن أفلتتْ حبل تعلُّقها بسيدنا إبراهيم طاعةً لله وتعلُّقًا بمحبته .

نعم… سَكَنتْ روحها واطمأنّ قلبها ولكنها كانت تعلم أن من لوازم التوكل على الله حقّ توكله؛ الأخذُ بالأسباب، فطفقتْ تسعى بين الصفا والمروة ذهاباً وإياباً ويقينها بالله تعالى دفع عنها اليأس الذي حاول اختراق إنسانيّتها من تكرار المحاولات بلا نتيجةٍ مرجوّة .

فجاءتها البُشرى من تَغيّر صوت رضيعها فعادت أدراجها لتجد نبع ماء قد تفجر من تحت قدميه لتزداد يقينًا بأنه حين نفوّضُ أمورنا لله ونستسلم لإرادته حتى لو لم تتجلى حكمته في ذلك ، قد لا تأتي النتائج كما نريد ولكنها تأتي بتدبير الله القدير الحكيم العليم الذي يعلم أين يكمن الخير لنا وكيف يكون … فهاي هي القبائل ترفد إلى سيدتنا هاجر وتطلب الإذن بجوارها ، وتبدلت حال الصحراء القاحلة إلى ديارٍ عامرة ثم بفضل الله أضحتْ مكاناً مقدساً يحجّ إليه الناس من كل حَدْبٍ وصَوْب ، وخرج من نسل سيدنا إسماعيل خيرُ الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وإني لأغبطُ سيدتنا هاجر على هذه الكرامات التي حظيت بها مكافأة على نجاحها في اختبار اليقين وصبرها وثباتها وتعلّقها بالله عز وجل .

أما نحن … فاختبار اليقين خاصّتنا قد يختلف من شخص لآخر ولن ينحصر بواحد أو اثنين بل قد يتكرر إلى أن تُسلِّم الروح إلى بارئها ، ولكنّ الحبكة في أن نتيقَّظ ونعلم أننا الآن في هذا الاختبار ، فالغافل عن ربه وعن نفسه يكون بينه وبين معرفة ذلك حجابٌ سميك يمنعه من الرؤية والفهم وبالتالي تزل قدمه في رمال الجهل المتحركة ويبقى عالقًا في أسئلة التسخّط والاعتراض ، ولا ينفكّ يحوم في هذه الدوّامة حتى تستنزف ما تبقى من إيمانه وأخلاقه وطاقته النفسية والجسدية فيصبح عالة على من حوله ، يشعُّ بالسلبية واليأس أينما حل ، يخسر عطايا الله في الدنيا والآخرة.

أما من كان عارفًا لربه فاهمًا لنفسه متابعًا ببصيرة لأحداث حياته فلن تفوته إشارات بدء اختبار اليقين ، فيتنبه ويستعد ويستحضر إيمانه بالله العظيم ويستأنس بأسماء الله الحسنى ثم يُفوّض أمره إلى الله متبرأً من حوله وقوته إلى حول الله وقدرته ، فيتدفق التسليم لله والرضا عن أقداره في عروقه وقلبه ، فينقدح اليقين اشتعالاً لِيُذيبَ جليد الشكِّ والخوف والحيرة ، فيمضي تحفُّهُ السكينة والطمأنينة ساعيًا كَسَعْيّ سيدتنا هاجر ؛ متوكلاً على الله مُتَسلّحاً بالصبر حتى لو لم يُبصر أعلام الفرج لكنّه يبقى على ثقة جازمة أن الله معه ولن يُضيعه .

ومن كانت هذه دربته وتلك خصاله ، فهنيئاً له رضى الله عنه في الدنيا والآخرة ، ويا لحظّه العظيم في حصده للبركات والرحمات ، ولمعان قبوله عند الناس ، وعلو درجاته في الجنان بفضل الله المنّان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *