الظُرف الموشَّى. ل تحنان

ابراهيم المازنني

بلاغة إذا أبصرها امرؤ، خيّلت له نفسه سهولة كتابتها، حتى إذا ما حاول انقلب خائبًا. ولغة ساخرة تنبئ عن نفّس صاحبها؛ فهو لا يتكفلها، بل سليقته هي. ولن تعجب إن علمت أن صاحبها مصري، فبهم ارتبطت خفة النفس والظرف وعذب الحديث الطريف. ولست أريد الإبانة عن الشخصية المصرية، إنما أريد قامة البيان وهامة السخرية: أديبنا الذي ضرسته محن الأيام.

أخذنا في رحلة فريدة عجيبة، تحدث فيها عن نشأته في القاهرة، وهو يفرق بين قاهرة مقتبل العمر وقاهرة ما بعدها. وكلنا يجد في موطنه هذا الفارق العجيب بين فترة الطفولة وفترات أخر تتبدل فيها أحوال الديار! ولن أبثّك شكواي، فهذه مقالة الأديب: إبراهيم عبد القادر المازني، شاعر وروائي وناقد وكاتب مصري، من أنصار مذهب ومدرسة الديوان في النقد، العامل في الصحافة.

رحلة في كتاب: “سبيل الحياة.” طاف بنا القاهرة، وكان لها وصافًا. ومن جملة ما قال: “كانت طرقها ضيقة، وأرضها غير مرصوفة، ودورها واسعة ذات أفنية رحيبة، وفي بعضها شجر وزهر وثمر ونافورة جميلة ومصلى. وكان بعض الطرق مسقوفًا، مثل شارع- القرنية- ليحجب الشمس والبعض درب ضيق فوقه بناء: فهو أشبه بسرداب..” انظر لتوصيفه لا يمل المرء من قراءته، وكأني رحلت بروحي إلى قاهرة المازني.

فتوصيفه رحلة تطواف في المعنى والفكر، وإذا ما حاولت تقليده أتيت بنص هجين مبتذل. ومن فصول كتبه فصل أسماه: “أمي” من أرق فصول كتابه بيد أني أعيب عليه الإسفاف والإسهاب في تفاصيل والده وإن كانت هذه سبيله ولا سبيل لنا في إقحام أنفسنا في سبل غيرنا ولكنها كلمة في نفسي آليت ألا أكتمها. أما فصل والدته ففيه خفة وتبسط مع والدته تظهر لنا أسلوبه وشيء في نفسه وجهود والدته العظيمة وسعيها الحثيث في رحلة تعليم المازني فقد كانت له أمًا وأبًا وفقد بفقدها كل مسببات الحياة.

وإن كنت أفتش في أساليبه، وحياته، ودروبه، ومواقفه مع الأساتذة وظروف تكوينه فغرضي من تتبع ما كتب، وتتبع الكتاب سبيل الأدب ووجدت السبيل في فصل أسماه: الأدب وتحصيله: وذكر تلك الحادثة الشهيرة الطريفة وإن كنت اغتظت منه: في صبيحة زفافه ترك زوجه واعتكف على الكتب وأغفل تلك المسكينة! وفصل الكتابة وحالات النفس:
كان يجنح إلى الكتابة إذا اشتدّت عليه ويصف ذلك بكلمة: “التمخض.” وهو يعنيها ويريد بها حركة التوليد في النفس والفرج بعد الضيق.

وكان من أنصار التسويف فما كان يكتب إلا في لحظات النداء الأخير فلا يسطيع بذلك تأجيلًا! ومن عجب أنه يشكو الكتابة وهي من خلدته حتى عصرنا هذا. قراءة في بعض ما كتب أو محاولة تذوق: فنجد السخرية في قوله: “ولكني على جهلي وخيبتي فزت مرة بثناء طيب من المغفور له سعد زغلول.”


وعنوان مقالته في الأصل سخرية أخرى فقد أسماها: بركة العجز. “وهكذا ترى أن العجز له بركة فاللهم أدمها علينا!” وربما في الجمل الاعتراضية: “فهي ذكرى كما ترى لا يخلو بها السرور من عرق الأسى والأسف ولعل شعوري بالسعادة كذلك مزيج من عناصر شتى بعضها أقوى من بعض.”
ولست في مقالتي أو خاطرتي سمها ما شئت أريد إطالة إنما المساحة قصيرة أعرف بها ركن من أركان الأدب مغفل ومسكوت عنه وعن ذكره.

1 فكرة عن “الظُرف الموشَّى. ل تحنان”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *