يتناوب علينا في اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، فإذا ما ضربنا هذه الأربع والعشرين ساعة في أيام الأسبوع خرجت لنا ثمان وستون ومئة ساعة. وتزيد هذه الساعات بزيادة الأيام والأسابيع والشهور والسنين. ولكن قبل أن نذهب أبعد من هذا، أرجو منك أن تعيد النظر في ساعات يومنا الأول، وتقسم هذه الساعات إلى شطرين، فإذا فعلت ذلك فاعمد إلى شطر منها، أي شطر شئت، واضممه تحت جناحك، وأهمل الآخر ولا تقربه فإنه ليس داخلاً تحت ملكك. وقد تتساءل أي الشطرين تأخذ وأيهما تترك، فأقول لك إن الأمر يسير، انظر إلى الوقت الذي تسكن فيه للدعة والسكون، ولا تكون فيه مجبراً على فعل شيء أي شيء كان، أو قل هو الوقت الذي لا تدين فيه أو به لأحد شيئا. والآن وقد عرفت ذلك، سننتقل إلى أصل الموضوع وصلبه، وهو آفة الفراغ، ولن أتعرض لمعناهما اللغوي ولا الاصطلاحي فهاتان الكلمتان متلازمتان في الذهن لا تكاد تُذكر واحدة إلا جاء ذكرُها بأختها. والآن وقد أخذت كلمة “الفراغ” أوّلَ الكلام، فلتستحوذ على بقيّته أختها الكبرى “الآفة”. فأقول أن آفات الفراغ كثيرة، منها ما يعظم خطره كتسويف شأن من شؤونك الهامة، ومنها ما صغر في العين حتى دق عن الأذهان وفاتها، مثل ضياع العمر. وآفة ضياع العمر هذه -وهو أمر معلوم مشهور وإن خفيَ على كثير من الناس- لا تدخل إلا على ما كان من وقتنا الذي استخلصناه لأنفسنا، فلذلك سمي آفة الفراغ لا آفة العمل، فالفراغ هو الباب الأكبر، إن لم يكن الوحيد أيضا، لضياع هذا الكنز العظيم. ولا تحسب بأني بهذا الكلام أتهم الفراغ بهذا الحكم الفاسد، بل إن الحق أن الفراغ في ذاته لا يحمل حكما خاصا به، بل إن حكمه حكم من خص به الفراغ، فهو كالسلاح يختلف حكمه باختلاف حامله، فحكمه بيد العاقل ليس هو حكمه بيد الأحمق، وهو بيد المسالم العادل ليس هو حكمه بيد الظالم الجائر. والفراغ كذلك يكون، فالإنسان إذا كان يمضي وقته بما يعود عليه بالنفع من قراءة ودراسة وعمل (أعني به العمل المدفوع من قبل الرغبة والهواية لا من قبل الواجب وطلب المعاش) يوصله لغاية تطمح لها نفسه، فليشكر الله فهو من القلة النادرة من الذين منّ الله عليهم معرفة قيمة الوقت فهو يعمل بمقتضى قوله تعالى: “وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)”. أما إذا كان من الصنف الآخر فإنه لا محالة نادم في عاجل أمره أو آجله، فمن كان وقت فراغه في مراقبة الناس وحياتهم وتتبع أمورهم ومعرفة أخبارهم فهو على مشارف الهلاك لامحالة إن لم يدرك نفسه. وتدارك النفس يكون بأن يعلم يقينا أن هذا الوقت إذا ذهب لا يعود، وأنه كلما تقادم به العمر نظر إلى ماضي زمانه متحسرا متندما، لكن هيهات قد فات الأوان. فالزم أيها القارئ الكريم وقتك بما ينفع، واعلم أن الإنسان ساء ما اعتاض من وقته، فكيف يحسن بعاقل أن يقايض عزّا بذل ورفعة وعلوا بسفه وسفول.
بقلم: فهد الشراري.
آفة الفراغ



