بقلم مريم علي
دقائق ما قبل الفاجعة .. الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، الجمعة – ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥م
جرّتني قدماي لغرفة أمي على عجَل، التقطتها عيناي جالسة منهارة، وجهها يعتصر ألمًا ويحكي ألف قصة وجع باستغرابٍ من حالها سألتها: “أيش فيك؟ أيش حصل؟ .. “
سحبت يدي بهدوء وأجلستني بجوارها وهي تقول بنبرة أنين: ” فهمي .. ” قلت لها مفجوعة:” هاااه!!! ” وسرعان ما سمعت “الحمد لله” فهمت حينها أنك رحلت عنا، وهذه المرة بلا عودةٍ مرتقبة.
لا أتذكر أن عيناي ذرفت دمعةً واحدة! كأنها استعصى عليها تصديق ذلك! أو لربما خبأت الدموع لهطولٍ مطوّل يصعب شرح أسبابه بمجرد كلمات؛ بلا شعور رحت أدور وأدور بالمنزل بلا هدف، أبحث عن هاتفي، وأتمتم داخلي: ” معقولة خسرناه للأبد! آآآه ، جرعةٌ من الثبات يا الله”.
بلحظةٍ وأنا أمشي بلا وجهةٍ معينة، التقت عيناي بعينَي أخي وأختي، وجوهٌ حمراء، مليئة بالدمع وتحكي ألف قصة ألم لم تُروى! حينها أدركت عينيّ أن المصاب حقيقة ولا مفرّ منه، تمسكت بأول جدار رأيته وانهرتُ أجهش بالبكاء بأعلى صوتي، صمتٌ مُطبق، وصوت وحيد يُسمع، بكاءٌ ونحيبٌ مؤلم.
أتذكر كيف أخبرت الصغار برحيلك وهم يلعبون البلايستيشن، عندما سألوني: “ماذا حصل؟” فأخبرتهم بكل أسى: “عمّو فهمي توفى ..” ، رأيت الصدمة في رجفة أصواتهم، وقرأت في بؤبؤ أعينهم محبتك التي غرستها في قلوبهم.
أتذكر كيف احتضنني ابن أختي وهو يتضوّر ألمًا ويقول: ” راح عمّو فهمي رااح .. الحمد لله”.
كل شيء حولنا يذكرنا بك، جدران المنزل، أصوات أبنائك، تسجيلاتك الصوتية، رسائلك الحنونة جدًا بقروب العائلة، الصور ومقاطع الفيديو، علّمتنا كيف نحبك، لكنك ذهبت ولم تعلّمنا كيف نتخطى رحيلك!
مرّ على رحيلك ثلاثون يومًا، ثلاثون يومًا وأنا أسمع اسمك يتردد على كل لسان، وأرى صورك ومرثاك بكل مكان، شهرًا من الألم والحنين والذكرى .. كيف اختصرك بسطورٍ واهنة؟ لن تكفيني أحرفي ولا جُملي، لأنك لم تكن إنسانًا عاديًا، كنت كوكبًا، مضيء، مشرق، كل من رآه استأنس به.
لن ننسى كيف كان نبأ اقتراب مجيئك كبشارة العيد للأطفال، أما الكبار فقلوبهم أوسع لك من منزلٍ مسوّر بجدران، أتذكر كيف كنا نجتمع معًا نتلاقط الأحاديث والضحكات مع فناجين الشاي، تتوارى الأحزان خلف الجدران، كأنك جئت حاملًا البهجة في كفٍ، والدفء في الآخر!
كانت فكرة السفر للسعودية مشوّقة جدًا، لأنها تعني أن نكون برفقتك، نتقاسم معك تفاصيل الأيام، أما اليوم فقد أصبحت الفكرة نفسها مجرّدة من الفرح، مبتورة المعنى، مُثقلة بوجع الغياب الذي لا يُطاق .. للنص بقيّة، لكن! جفّ حِبري على عتبة الحنين …



