لا يحضرني من الطفولة سوى آثار الطلول التي بكاها الشعراء، ولا تحضرني ذكرياتها إلا مقطعة مجزّأة وكأن مخرجاً سينمائياً عبث بها وقص منها ما أراد وأبقى ما استحسنه، وهكذا أراها الآن.
عشت طفولتي في بيت متواضع مع والدين معلمين وإخوة ثلاث أنا ثانيهم في الترتيب الهرمي والقيادي، ولطالما حاولت في صغري أن أنزع عن أخي الأكبر شارة القيادة ولم استطع ولكن بقيت ثائراً، والمجد للثوار.
كانت حياتنا رغيدة جميلة بسيطة بساطة القرويين، وكانت بيوتنا أعجوبة عصرها، وذاك أنها سلسلة متصلة من خمسة منازل كل منزل مستقل متصل بأخيه بحائط فيه باب يفتح على البيت الآخر، فكانت السلسلة تبتدأ عند عم أبي ثم إلى ابن عمه فبيت جدته لأبيه فبيت أم والدتي وتنتهي السلسلة ببيتنا، ولو أفسح القدر لتوسعنا في أراضي القوم ولكن لم يسعفنا القدر.
كان والداي معلمان، فأما أبي فهو معلم لغة عربية وأما والدتي فهي معلمة علوم إسلامية، وقد كان تعليمهما لي في المنزل أبلغ وأعظم مما تعلمته في المدرسة. وأذكر مما أذكر أن أمي كانت تعلمني الخط العربي والكتابة، فكانت تضع عينها على مرسمي وهو يجول ويموج في كتاب لتعلم الخط؛ وما أكثر ما سمعت منها: ما خط القرفاية هذا؟
والقرفاية: هي حشرة من أنواع الخنافس صلبة الهيكل تتواجد كثيراً في القرى؛ وتتكاثر في الشتاء، وإذا ما كثرت في مكان يُزعم أن العقارب تتبعها، لذلك تُسمى عندنا أحياناً: أم العقرب، ووجه الشبه أن آثار مشيها على الرمال متعرجة غير ثابتة فكانت أبلغ الشبه بخطي السيء.
أما أبي فأحسن إلينا أشد إحسان ، وقد أسأنا إليه أبلغ الإساءة وأتعبناه أبلغ التعب والنصب ؛ وذلك أنه كان يعلمنا الإملاء وحفظ القرآن ويعقد لنا دروساً يومية تبلغ الساعة وربما أكثر في المغرب وأحياناً في العصر ، ونحن ننظر إلى لداتنا وهم يلعبون ويلهون في الشوارع وقلوبنا تهفو إليهم ، ولكن السجن حُكمٌ على المسجونين لا سبيل عنه من فرار ، فإذا ما طال العنت واشتد النكال قلبنا رأس المجن ، وثرنا على أبينا فنتخبى خارج المنزل ونزمع كل الزماع أن لا نعود ، فنسمع صيحات الوالد تهدر في السماء ، فتخفق قلوبنا شدة ورعباً وتنطفئ نار الثورة في أنفسنا ، فيلومني أخي وأشتمه بدوري على فعلتنا ، ثم نسمع صرخات وويلات الوالد تشتد في الأفق ، فنزمع أكثر أن لا نعود لأننا لو عدنا لوجدنا المقصلة في انتظارنا والجلاد في وجهنا والهرب آمن من سبيل القاضي .
وقد اتبعت سبيل الثورة على التعليم عدة مرات، ومنها أنني كنت طالب في تحفيظ القرآن الكريم في مسجد القرية وبين الفينة والفينة تُقيم وزارة الشؤون الإسلامية بالمنطقة مسابقات على غرار مسابقة أبطال أوروبا لكرة القدم، فكانت تبتدأ بالمساجد المحلية ثم يتأهل الثلاث الأوائل للتنافس على مستوى المحافظة ثم المنطقة وهكذا.. وما أكثر ما كنت أتهرب من هذه المسابقات ولا أشارك فيها ولكن وقع القدر علي ذات مرة أن أذهب للمشاركة وكان جميع المعلمين يؤملون علي الآمال العظام فتوكلت على الله وذهبت، واختُبرت فحققت الدرجة الكاملة بين المسابقين كلهم ولم أخطأ بخطأ واحد مما سألوني إياه. فاحتفى الجميع بي ورفعت رؤوسهم إلى عنان السماء. ثم مضت الأيام ولم ينادوني لمسابقة أخرى فارتاحت نفسي لذلك، ولكن أتى يوم مشؤوم كانت نفسي فيه تغرق في الأحزان – وإن قلت كيف لطفل أن يغرق في أحزانه فهذا ما كنت عليه وقُدّر علي ولا أملك جواباً لسؤالك -المهم أن نفسي كانت غارقة في أحزانها فأتاني خبر بأن المرحلة الاقصائية الثانية فتحت أبوابها فشعرت أن جبلاً أصماً جثم على صدري وبسمت في وجه معلمي وعقدت عزمي على الثورة. فما إن أتى يوم المسابقة وشرع المعلمين يعدون العدة للمسابقة، حتى تركتهم ورائي ظهرياً وذهبت لأقصى منطقة لا يجدوني فيها وتخبأت بين الأراك والسلم وجلست هناك حتى أيقنت أن القطار فاتني والزمن بكاني فعدت إلى القرية. ثم علمت بعدها أن الأساتذة غضبوا علي غضباً كُبّاراً، وهاجت وماجت عقولهم وذهبوا للمسابقة فلم يبلي الطالبان الآخران جيداً فازداد غضبهم علي، وقاطعوني بعد ذلك حتى أنني اذا قابلتهم بعد ذلك عبسوا في وجهي وأشاحوا بأبصارهم عني ولو لم يذهب عهد الضرب والجلد، لسلخوا جلدي من على جسدي.
وقد كان أشد ما على نفسي الحفظ والدرس، ولو لم يكن من صرامة وحزم أبي لانتهى بي الأمر إلى ما لا يحمد عقباه والفضل والمنة لله على أن رزقني عائلة متعلمة حازمة في تعليم أبنائها.
وقد كان أبي وحيد زمنه في قريته؛ فقد كان الشأن السائد أن شباب القرية إذا انقضوا من شأن التعلم والوظائف غمروا أوقاتهم بالمرح والترفيه، من لعب بالورق والضومنة ومتابعة المباريات ولعب كرة القدم؛ كانت هذه وسائل الترفيه في عهده.
وقد نهج أبي هذا النهج حتى إذا بلغت سنتي السادسة أو السابعة ترك كل ذاك وراءه ظهرياً إلا لعب كرة القدم فما استطاع من ذلك، وذهب نحو طريق الاستقامة وأصبح يعمر وقته بقراءة الكتب؛ والتي كانت جد مستغربة في القرية ولا يقرأها إلا أشخاص يعدون بالأصابع.
وقد كانت كل قراءاته في جانب الشريعة ونادراً ما يشذ عنها.
وفي سبيله لسلوك طريق الاستقامة والتعرف على سبل التقوى أخذنا معه يتعلم بنا جميعاً، فيشد سنوات في أمر ثم يتخفف ويخطأ ويصيب وهكذا. وقد سخطت عليه كثيراً في سنوات طوال. ولكن حين أتأمل حاله الآن لا أملك إلا أن أترحم عليه وأدعو له بالخير وبطول العمر على الطاعة والسعادة في الدنيا والآخرة؛ فما أحسن ما علمنا إياه وما أكثر حسناته علينا إذا ما وضعناها في الميزان إلى جانب أخطائه التربوية.
فهذه بعض الذكريات التي أملاها علي المخرج حين أمسكت بالقلم للكتابة فأوردتها كما هي.
بقلم : مصلح
من قصص الطفولة



