l
أراني خلال هذه الأيام كثير النوم، عظيم النعاس، إذا وضعت خدّي على الوسادة لا أرفعه عنها إلا قليلا ثم أكرّ راجعاً إليها!
صباح هذا اليوم غططت في نوم عميق بعد أداء صلاة الفجر، انتبهت في الساعة التاسعة والنصف، نظرت فإذا نفسي تحثني على معاودة النوم مرة أخرى لأنها لم تستوف حظها منه بعد، كانت صادقة حقا فيما قالت، لذلك نزلت عند رغبتها فوراً، واستسلمت لنوم أعمق من الأول.. لا ريب أن نفسي سوف تنال نصيبها الأوفر من النوم اليوم، وما أراها إلا مغتبطة بما أصابت من ذلك، فلما استيقظت في الساعة الحادية عشرة والنصف، أردت النهوض لتجهيز الفطور، لكني تفاجأت بما لم يخطر في الحسبان، كان هناك أحدهم يجذبني عنده، ويحول بيني وبين القيام، بل رأيت أنه يرجوني رجاء الملهوف أن لا أنهض قائما!
نظرت مستكشفا لمعرفة من هذا الذي نلت عنده هذه الحظوة حتى لا يريد مفارقتي، يا للسخرية؛ إنها الوسادة، كانت تشعر معي بدفء لا تشعر به وحدها، أحوطها بذراعي، وأضع خدي على صدرها أو بطنها، قضيت معها ساعات طوالاً على تلك الحال، من ذلك جاء إلفها لي! بل إنها تحبني حقاً، وإلا فما هذا البكاء الذي ينحدر من عينيها؟ وما هذا النحيب الذي يرتفع من جوفها؟ وما هذه النظرات التي تحوطني بها من كل جانب؟ حتى ليخيل إليّ أنها تريد التهامي!
بعد لأيٍ فككت نفسي منها بمشقة شديدة، ودعتها وأنا ذاهب إلى المطبخ لإعداد الفطور، ثم صرت أحادث نفسي:
آه يا وسادتي العزيزة: أنا أيضا أحبك بل أعشقك بل لعلني جننت بك!
كيف سمحت لنفسي أن أفارقها؟ كيف لم أبادلها حبا بحب وشعورا بشعور؟ كيف لم أعبر لها عن شوقي ورغبتي الجامحة في البقاء معها؟
يا لَلعجب! كيف استطعت التغلب على تلك الرغبة المسعورة؟ كيف قدرت على كبح جنون رغبتي؟ كيف لم أرتم عليها محتضنا باكياً؟ آه ما أشد الكبرياء الذي شعرت به في تلك اللحظة! ما أعظم ذلك الترفع الذي أحسست به يومها! كيف أترفع وأتكبر وقصارى أمري أني مجرد حشرة صغيرة في ملك الله العظيم؟
ألا ما أعجب أمزجة نفوسنا!
“وفي أنفسكم أفلا تبصرون”!
أيقدر الإنسان في لحظة واحدة أن يجمع بين الحب والبغض، والذلة والعزة، والضعة والعظمة، والخسة والكبرياء، والخسارة والانتصار؟
ذلك هو الإنسان المخلوق العجيب!
“صنع الله الذي أتقن كل شيء”
“هذا خلق الله، فأروني: ماذا خلق الذين من دونه”؟!



