بقلم : ندى الغيث
خلق الله سبحانه وتعالى سيدنا آدم عليه السلام في أحسن صورة وتقويم ، في أحسن مكان جمالاً وتَسنيم ، وعَلِمَ سبحانه أنّه بالرغم من كلّ ذلك سيبقى في داخل سيدنا آدم عليه السلام حاجةٌ لروحٍ يألفها ويأنس بوجودها ويُشاركها فرحة الحياة في هذه الجنان ، فخلق الله سبحانه من ضِلع آدم العوجاء السيدة حوّاء الحسناء ، فحاجة الإنسان إلى إقامة علاقة هي حاجةٌ فطرية ، هو كائنٌ اجتماعي يَنشطُ في جماعته ويَنطفئُ في وحدته . ومَثلُ العلاقات في حياة الإنسان كمثل من يحملُ المصابيح ويُداهم بها سراديب كهفٍ مظلمٍ ، الأبوين ، الأخوة، الصديق ، الزوجة ، الجيران وغيرها من العلاقات كلٌّ منها يُمثل مصباحاً يُنير ظلمة ما دخل إليه ، ولم يكن لهذا السرداب أن يُضيء لولا دخول هذا النور ، وكذلك العلاقات وما تفعله في ذات الإنسان ، من كشفٍ لأفضل ما فيها فيسعد بها ويُنمّيها ويُطورها ، وكشفٍ لأسوء ما فيها فيراه ويتقبله ويسعى في طلب التداوي ويُعالجها ، وكل علاقة لم يستطع الإنسان أن ينخرط فيها ، يبقى مكان كشفها في ذاته مظلماً مجهولاً ، وهذا لصفات الإنسان الناقصة فلا ذاتٌ مُكتملة مهما حدث فالذات الكاملة صفة إلهيةٌ خالصة ، والعلاقات وجهٌ من وجوه ابتلاء وامتحان الله لنا في هذه الدنيا ليبلونا أنشكره بإخلاص نية وحسن معاملة وحِفْظ عِشرة ، أم نكفره بتعلّقٍ شِرْكيّ وسوء معاملة وخيانة عِشرة . والعلاقات مهما تعددت أشكالها فهي في الأساس نوعين : علاقة صحية قائمة على الألفة والأنس والمشاركة ، يكون الفرد فيها ممتلئٌ من الداخل ، قادرٌ على إسعاد نفسه وتحقيق إستقراره وأمانه ، واعتماده على شريكه يكون فقط فيما لا يقدر على فعله في الحقيقة ، فالعلاقة عند هذين الشريكين هي علاقة إضافة جميلة وتطوير ونماء ، ولا تتوقف حياة أحدهما على الآخر ، حتى إذا انتهت العلاقة لسبب من الأسباب لم يتأثر أيٌّ منهما تأثراً كارثياً بل مجرد حزن لما كان بينهما من ذكريات ومواقف ومشاعر ، ويمضي كلّ فرد بعدها يشق طريقه بقوة وحسن ظن أن ما حدث خير والقادم أجمل بإذن الله. وعلاقة غير صحية قائمة على تعلّقٍ قَلِقْ ، واعتماد مَرَضي ، وخوف شديد من الرفض والهجر ، نظرة الفرد للعلاقة أنها وسيلة لملء فراغ احتياجاته من سعادة وأمان واستقرار ، يتمحور حول شريكه وتتوقف حياته عليه لأنه ذاب فيه و أضحى عاجزاً ينتظر من الآخر أن يُقرر عنه ويعمل له ويعتمد عليه اعتماداً يجعله إذا انهارت العلاقة انهارت حياته ، وأحس بألم الفقد كأن جلده انسلخ عن لحمه ، وتاه في طريقه مثخناً بجراحه لاعناً لحظِّه ، قد يخسر الدنيا والآخرة إلا أن يرحمه الله ويُبصّره. فالعلاقات التي وُجِدْتَ فيها منذ أن وعيت كالأبوين والإخوة ، إن كانت صحية فاحمد الله واشكره لأنها من عظيم النِّعم ، وإن كانت غير صحية فاصبر على آذاهم لله وقدّم ما عليك من واجبات نحوهم على أكمل وجه وعبّر عن حدودك بأدب وحزم جميل ، وطوّر ذاتك بالقراءة والتطبيق والدعاء والعبادة فتلك حماية نفسية لك عند من لا تملك انفكاكا عنهم . وباقي العلاقات التي في وسعك الاختيار ، فابحث لنفسك عن شريك ( زوج ، زوجة ، صديق ) واعياً بذاته كُفؤٌ في نفسه يحاول تطوير حياته ، ليس دائم النقد ولا دائم التأييد بل بين بين ، يحترم فكرة الاختلاف فيتقبلك كما أنت ولا يسعى لتغييرك لتناسبه ، يفهم معنى المساعدة والحدود والحرية ، ويُفرّق بين العطاء من فضل الإحسان وبين العطاء من باب الواجب فلا يظلمك ، قدوة في الأخلاق والقيم الإنسانية ويسعى جاهداً للمحافظة عليها . إن باب علم العلاقات واسع ذو باطن شاسع ، فاقرأ وتعلّم عند أهل هذا العلم المختصون الذين يخافون الله ويرجون السعادة للجميع ، ولا تنهل هذا العلم من عين مجهولة فتَضِلِّ وتُضَلَّ ويفوتك خيرٌ كثير ، ومهما مرّ بك من علاقات شوّهتك وآذتك فلا تيأس ، فقد كشفت لك ما الذي ينبغي أن توفره لنفسك بنفسك وتسدَّ الفراغ الذي يستغله الشركاء السّامّون ويلوون به ذراعك ، فأنت الآن مبصر واعٍ لما هو آت وتدخل العلاقة الجديدة بثقة واكتفاء وثبات .



