أخذت أسماء ليلى وإبراهيم وخرجت قاصدة أمير الوالي الشريف آنذاك على قريتهم والقرى المجاورة الذي يبعد عنهم قرابة الخمسة عشر كيلا، وما تدري المسكينة أي شقاءٍ تستعجل لصبيها ذو السبعة أعوام الذي حينما رأى أبوه ميتًا قال: والله إن طال عُمري لأثأرنّ لك يا أبتي، ولله بعض الكلمات ولله صدقها، وشاءت الأقدار بعد الرخاء والنّعيم أن يتحول الحال إلى شقاء وجحيم ليعلم الإنسان أن الحياة في صورتها ليست إلا زيفًا يتراقص لأبناء آدم ليغريهم حتى يتلقوه فما يلبث أن ينقلب، وأن الناس ليسوا كما يظهروا بصورهم ولربما تلبس الشيطان أجسادهم وترجم ذلك بأفعالهم، مضت أسماء وأصابها دوارٌ أول الأمر فجلست لتستريح وما هي إلا لحظات حتى بدأت تضحك وتنطق بهلاوس أذهلت فتاتها وصبيها، وبدأ العطش يأخذ منهم مأخذا عظيما فصاح إبراهيم: أماه أماه إني ظمآن أريد ماءًا، ويا آسفي يا بني أمك لا تعرف أحدًا بعد اليوم، لقد أنتقل إليها داء زوجها أو أنها جُنّت مما رأت، وحينما لم تُجبه انطلق ناحية الطريق وغاب عن أنظار أخته التي لا أعلم إلا أنها تساقطت طفولتها منذ ليلة البارحة، تلفتت المسكينة علها ترى بصيص أمل ينقذها وأمها ويُرجع أخاها الذي فرّ به الظمأ إلى السراب، ولوهلة يظهر رجالا فينقذوا أسماء وبنتها بقليل من الزاد والماء فتصيح الصبية: لي أخا قد نزل بهذا الطريق هل من يجده منكم؟ ولم تنتهي ليلى من حديثها مع الرجال حتى يظهر اثنين من أبناء عمومتها، فيشكرون من أعانهم من المارة، فينزل أحدهم مع ليلى وأمها ليعود بهم للوادي، ويطير الآخر بحثًا عن إبراهيم الظّمآن، فيسير يتفحص الصخور بالوادي يمنة ويسرة حتى إذا ما هبط أسفله وجد ثلاثةُ رجال نزلوا عن خيولهم وكأنهم يقلبوا بين أيديهم صيداً، فما إن اقترب حتى صاح به أحدهم هذا غلامٌ ميت!! فينزل ابن العم عن فرسه ويتفحصه وليته لم يتفحصه، إنه إبراهيم قد أعياه الظمأ فاطّرد السراب حتى هلك، فكان أول من صاح بثأره أبيه، وأول من لحق به، وويلي كيف كان الصدق حتى بالمصاب، احتمله الرجل وعاد به للوادي ليدفن بأعلاه، وعاد للعشيرة يحمل الأسى لأهل الأسى، وكانت أسماء تتحدث بكثير من الأحاديث التي لا تُفهم، لكنّ حديثًا واحدًا كان من يجالسها يفهمه: (ذهب عيد وإبراهيم من أجل ماعون سمن) فتبكي فيضج الوادي ببكائها وتخالط دموعها ماء الهَزْم الذي لطالما شربوا منه في ملاح أيامهم ولياليهم، وتمر السنون وتنتقل أم ليلى إلى جوار ربها، وتبقى ليلى وسعيد بعدهم ما يقارب الأربعين عامًا ويلحقوا بالركب الأول ولم يبق من ذرية عيد أحد سوى بناتٍ لسعيد وانقطع نسل عيد ولم ينقطع شقاء الساحرة الشمطاء حتى بعد مماتها.
*الهَزْم : اسم لأعلى الوادي وماؤه.
بقلم: نايف الهذلي



